|
تقرير سياسي تأسيسي يتواصل بتقرير شهري حال الأمة في عالم يتغير (4) الصراع العربي الصهيوني في بيئة إستراتيجية جديدة تسوية أم استمرار الاشتباك؟ تحرير فلسطين أمر راهن
تغيرت المعطيات والبيئة الإستراتيجية للصراع العربي الصهيوني، وتبدلت موازين القوى، واستنفذت حقب تاريخية، ودنت حقبة جديدة تتضح معالمها تباعا، وانهارت استراتيجيات، واختبرت قوى وتشكيلات وآليات ووسائل، وأدت دورها ونفذت، فيما بيّنت الأحداث وتطوراتها أن طرائق وآليات وقوى جديدة تولدت واستطاعت أن تفرض نفسها كخيارات حاكمة وحيدة في إدارة الصراع لتحقيق تطلعات واستعادة حقوق الأمة المغتصبة. ثمة كم هائل من العناصر الإقليمية والدولية والعربية والفلسطينية تفاعل ويتفاعل مع عناصر الصراع العربي الصهيوني، وتنعكس تحولاته على الصراع وآفاقه ومساراته. مثل ويمثل الصراع وتوازناته وخياراته واتجاهات الأحداث مولدا ينتج سياسات واستراتيجيات ويغير فيها، وينعكس في التوازنات الإقليمية والدولية على نحو فاعل وهجومي. شكل الصراع منذ مؤتمر بال للحركة الصهيونية 1897 محور المتغيرات، ومختبر الإرادات، والبيئة الحاضنة والمولدة لمشروعات الغرب للهيمنة على العرب والمسلمين، ولمشروعات وقوى مقاومتها في جولات متصلة لنحو مائة وعشر سنوات من المعارك المستدامة والمحتدمة. المشروع الصهيوني وإقامة دويلته وفرض كيانه الاغتصابي الاحتلالي، ولد بدفع وتبنٍّ استعماري أوروبي هدف إلى إقامة قاعدة كرأس جسر لتمرير المشروعات الاستعمارية، دولة عسكريتارية استيطانية، وظيفتها حماية المشروعات الغربية، وتجزئة الأمة العربية، ومنع وحدتها ومنعها من امتلاكها لثرواتها وعناصر تحررها ومشاركتها في بناء الحضارة الإنسانية. خصصت المنطقة العربية والإسلامية بمخططات ومشاريع استعمارية وبذلت جهود طائلة، ومورست مؤامرات دولية وتقاسم للنفوذ والهيمنة العالمية على العرب والمسلمين، بقصد إبقاء المنطقة في حال تخلف، واحتراب، وتمت التجزئة وبناء القطريات، والإمارات، وكرست نظم استبدادية من حقب ما قبل التاريخ الإنساني المعاصر، واستخدمت عناصر شتى، من تأليب الصراعات القطرية، إلى الاثنية، والدينية، والطائفية، وتحريك الأقليات، إلى التعاقدات الاقتصادية والسياسية والهيمنة الثقافية والقيمية، وفرض الحرم العلمي والتقني، ومولت الحروب الأهلية، والحروب العدوانية بمشاركة عالمية مباشرة وبتغطية وتبنٍّ ودعم أوروبي ورسمي عربي إسلامي. تاريخ المنطقة العربية والإسلامية، والإقليم، هو تاريخ الصراع العربي الصهيوني ومتغيراته. هذا ما كان حتى اللحظة وما سيكون إلى مستقبل آت طويل نسبيا، فآليات ومسارات ونتائج الصراع العربي الصهيوني، في فصوله الجديدة وتوازناته، تؤسس وتقرر المستقبل على المدى المباشر والمتوسط والطويل، وعلى اتساع رقعة الإقليم والعالم العربي والإسلامي وامتداداته وتأثيراته الكونية الحاسمة في تقرير أي عالم يبنى ويستقر. المتغيرات الإستراتيجية النوعية ومستقبلها أولا: افتقاد الكيان الصهيوني لعناصر قوته التكتيكية والإستراتيجية - القوة العسكرية المهولة، ووهم قوة الردع والتفوق، عناصر سقطت على نحو باين لكل ذي عقل وبصيرة، فإسرائيل لم تنتصر في حرب من حروبها الستة ضد العرب سوى في حزيران 1967، لكنها نجحت عبر تحالفاتها الدولية والعربية الإسلامية في تحويل هزائمها إلى انتصارات، وصادرت الانتصارات العربية وصنعت لنفسها صورة القوة الأسطورية. فـفي حرب 1947-1948 لم تنتصر بل استلمت السلطة من دولة الانتداب، وفرض الاعتراف بها، وتقويتها على العرب وجيوشهم التي لم تكن عربية بقيادتها وإرادتها بل خارجة من رحم جيوش الانتداب أو تحت إدارة وقيادة عناصر موكلة من الانتدابيين. وفي حرب العام 1956 هزمت مع بريطانيا وفرنسا، وهزمت في معركة الكرامة في الأردن 1968؛ وفي حرب تشرين 1973، وفي محاولاتها تصفية المقاومة الفلسطينية في العرقوب جنوب لبنان، وصولا إلى الهزيمة المدوية في انسحابها غير المشروط من لبنان عام 2000 وهزيمتها في حربها العالمية العربية الإسلامية على المقاومة في عدوان تموز 2006، كما هزمت في غزة. - استعاضت إسرائيل عن هزائمها بتوليد ودفع عناصر الاشتباك العربي وإشعال الحروب الأهلية وتفويض قوى ونظم ومجموعات عربية بمهمة استنزاف الانتصارات وتحويلها إلى هزائم؛ فهزيمتها في معركة الكرامة دفعتها لتوظيف النظام الأردني في حرب أهلية أدت إلى سقوط منظمة التحرير ورحيلها إلى لبنان، وهزيمتها في حرب 1973 حولتها إلى حرب أهلية لبنانية، واستمالت مصر وحولتها إلى عنصر هجومي في الترويج للمشروع الصهيوني والدفع باتجاه التسويات التفريطية، وهزيمتها عام 2000 في لبنان سعت لتحويلها إلى حرب أهلية لبنانية، وحروب ضد سورية وإيران، وهزيمتها عام 2006 وهزيمتها أمام المقاومة الفلسطينية وانسحابها من غزة دفعها لتوليف حلف عربي إسلامي كخنجر مسموم في خاصرة قوى المقاومة والممانعة العربية التي ألحقت الهزائم بإسرائيل. - سقطت عناصر القوة العسكرية الإسرائيلية في ثلاثيتها التاريخية، فالاحتلالات صارت عبئًا على إسرائيل كما في لبنان كذلك في فلسطين والجولان، فأوصد الباب أمام هذا العنصر الذي كانت تستخدمه لتطويع العرب، وما سمي بقوة الردع انهارت انهيارا دراميا في حرب تموز، ومعها إستراتيجية الضربات الوقائية والسريعة، والحرب على ارض الآخرين، وانهارت إلى غير رجعة مع امتلاك العرب للصواريخ والقدرات المتعاظمة. - سقطت قوة إسرائيل التي تقوم على تماسك مجتمعها، وحصانته، ومشروعيته ومظلوميته. - سقطت واستنفذت قدرات إسرائيل على استقطاب المزيد من اليهود لحل مشكلة التوازن الديموغرافي بعد نفاذ عدد اليهود في العالم، وبدء رحلة الهجرة المعاكسة تحت ضغط الخطر الأمني والعسكري والأزمة الوجودية وضغط التوترات الاقتصادية والاجتماعية، وانكشاف المجتمع الصهيوني على أمراض قاتلة وتباينات وانقسامات أثنية وطبقية مع تحول الاقتصاد والاجتماع إلى الليبرالية . - انكشفت حقيقة أن قوة الاقتصاد الإسرائيلي مفتعلة وهمية، ومصدرها حجم التوظيفات الأجنبية، وانفتاح الأسواق العالمية للمنتجات الإسرائيلية واستثنائها من الشروط والمواصفات؛ فالاقتصاد الإسرائيلي مريض بنيويا يعتاش على المساعدات، وعندما اهتز الاستقرار بفعل الانتفاضة والمواجهات في لبنان، تكشفت أعطاب الاقتصاد وحقيقته وانكشفت إسرائيل على حاجتها لمساعدات عاجلة بعشرات مليارات الدولارات سنويا ما أكد أن كلفتها زادت عن 4 تريليون دولار تكبدتها أوروبا وأمريكا وتطلب المزيد لتأمين الاستمرار والديمومة. وهي "تعيش هذه الأيام أزمة قد تؤدي إلى تخفيض الإنفاق العسكري على التأهيل والبناء بعد أن أعلنت واشنطن عجزها عن دفع 600 مليون دولار كانت مقررة بسبب كلفة حرب العراق". - من بين أهم عناصر قوة إسرائيل التاريخية والتكتيكية التي صنعت منها أسطورة إعلامية وهمية كانت قوة أمريكا والدول الاستعمارية وسعيها لتقوية إسرائيل، وقد دخلت مرات عديدة في الحروب مباشرة إلى جانبها وبوحدات عسكرية كما في حرب ال56 وحرب 1973 وغزو بيروت عام 1982-83 وحرب تموز 2006، وكان غزو أفغانستان، والعراق في خطة تخديم المشروع الصهيوني. تلك عناصر قوة في طور الانهيار بعد نفاذها وهزيمتها في الحرب على العراق وفي حرب تموز، وفي الحرب على أفغانستان وظهور عناصر واستراتيجيات الانسحاب من العراق، وعجز أوروبا عن تأمين البديل العسكري والاقتصادي واستحالة مد الأطلسي إلى المنطقة العربية. - شكل تخلف العرب، ومجانبتهم للاستراتيجيات الثورية في المواجهة، وتخليهم عن المقاومة ومقولات الحرب الشعبية طويلة الأمد أحد أسباب وعناصر قوة إسرائيل الإستراتيجية والتكتيكية. كما شكلت النظم القطرية الموالية للغرب والمعادية للشعوب واحدة من أهم ضمانات قوة الكيان الصهيونـي ورهبته، وتبرير التسويات التفريطيـة معه، فجاءت المقاومات بدءًا من المقاومة اللبنانية التي تسنى لها الاشتباك المباشر مع العدو الصهيوني نموذجا سجل انتصارات وحفز على امتشاق العرب لهذا الخيار كخيار استراتيجي بديل ذي جدوى، الأمر الذي بدأ يتشكل كقانون تاريخي في مواجهات العرب للغرب وغزواته. - مثلت القطريات ونخبها، والقوى الاجتماعية المحتمية بها والحامية لها، أحد عناصر قوة الكيانية ودورها التفتيتي للعرب ولوحدتهم، واستنزاف قوتهم باحترابهم، وتبديدها للثروات المادية والبشرية. فيما باتت القطريات تعيش أزماتها وتطلق نذر انهيارها بدءًا برغبة الغرب التمرد على تقسيمات سابقة لإعادة هيكلة المنطقة وتقسيم المقسم منها، إلى عجز العرب والنظم القطرية عن حماية التقسيمات الحالية بعد ظهور عناصر الانهيار على المشروع الغربي عموما والاحتلال الأمريكي على وجه الخصوص. - تنتفي قدرة إسرائيل على استخدام التفوق التكنولوجي والنووي بعد امتلاك إيران للتقانة النووية، والعلمية والتصنيعية، وتقدم العرب على مختلف الأصعدة، وفي الأول امتلاكهم للقدرات العسكرية النوعية التي أسقطت التحصينات والجغرافية والتفوق الجوي وتفوق السلاح المعطى لإسرائيل. هكذا يمكن التثبت وبالملموس من أن جميع عناصر قوة إسرائيل قد نفذت، وفي طريقها للنضوب ما يعني متغيرات إستراتيجية نوعية في توازن القوى وتاليا في مسيرة الصراع وتجلياته المستقبلية. ثانيا: إسرائيل كيان مكلف بات بلا وظيفية، فهل يستمر؟ من نافلة القول أن الكيانات والدول، هي كيانات حية، تنمو، تكبر، تشيخ، وتموت، هذه من حقائق الدهر ودروس التاريخ، وهي سمة عصرية تشهد عليها معطيات العصر المعاشة، فالاتحاد الأوروبي غير من وقائع الكيانات ووظائفها، وخصائصها، وانهيار الاتحاد السوفيتي غير من الخرائط، والكيانات والنظم، و الحربين العالميتين أحدثت تغيرات زلزالية والتاريخ يفعل فعله. كيانات سايكس بيكو فقدت وظائفها مجتمعة ومنفردة، واستنفذت عناصر قوتها التاريخية والتكتيكية فضربت وتضرب فيها أزمات عارمة ومفتوحة على ضرورة تغيير في وظائف الكيانات وأحجامها وقواها الصاعدة والحاملة؛ ففي لبنان أزمة وطن، كذلك العراق وفلسطين، تتجلى في أزمات وحدات وطنية أو العجز عن إنتاج حكومات وحدة وطنية. الكيان الصهيوني فقد دوره الوظيفي، وبفقدانه لدوره هذا، يسهم في إفقاد الكيانات القطرية لأدوارها الوظيفية المكملة؛ فإسرائيل التي كانت قاعدة متقدمة للمشروعات الغربية في قلب العرب صارت بحاجة إلى الغرب ليؤمن لها الحماية العسكرية المباشرة وتطلب، بالإضافة إلى التبني السياسي والاقتصادي والدبلوماسي والعسكري، الحماية المباشرة ونشر قوات أوروبية وأمريكية وأطلسية على حدودها بعد عجزها عن حمايتها من الجنوب والشمال وفي القلب. القوة العسكرية الإسرائيلية والأمريكية، وتحالفها مع الأوروبية فقدت فاعليتها مع الهزيمة في العراق، وهزيمة حرب تموز، والعجز عن إجهاض المقاومة الفلسطينية برغم الشراكة العربية والإسلامية على مدى عقود طويلة. - فقد أيضا الكيان الصهيوني أحد أوجه وظيفته الأوروبية وانقلبت المعطيات في غير صالحه، فقد دعمته الشعوب والنخب الأوروبية تحت وطأة الشعور بالذنب جراء اضطهاد اليهود في أوروبا، أما بعد أن صارت إسرائيل تحت أضواء الشمس والكاميرات تضطهد العرب بطريقة سافرة وإبادية جاوزت الروايات والأساطير عن اضطهاد اليهود، تحرر الأوروبيون من شعورهم وتحولت حركتهم للتضامن مع العرب ومقاوماتهم في وجه الاحتلالات وعمليات الإبادة، وبدأت موجة رفض وعداء لإسرائيل ولوبياتها تضرب في المجتمعات الغربية عموما وخاصة الأوروبية والأمريكية. ثالثا: المتغيرات في موازين القوى واتجاهات الصراع تعبر عن نفسها بظاهرات مؤسسة ذات طابع استراتيجي تاريخي - التسوية السياسية للصراع العربي الصهيوني وانحياز نظم ودول، وفئات عربية وفلسطينية استنفذت دورها وقيمتها مع سقوط "أوسلو" وعجز "وادي عربة" و"كامب ديفيد" عن ترويج الكيان الصهيوني وتطويبه قائدا للمنطقة وفرض قبول إسرائيل وتشريع وجودها وتطبيعه. - خيار المقاومة أصبح خيارا واقعيا يصنع الانتصارات ويلعب دورا رياديا ديناميكيا في تطورات الصراع وفصوله وتحولاته، وتحولت المقاومات وراديكالياتها ذات الطابع الديني إلى القوة الحاسمة والمحركة للصراع مع ما تحمله من رفض لمبدأ الاعتراف بالكيان ومفاوضته، وقبول التسويات معه، واعتمادها خيار أن فلسطين أرض وقف لا يجوز التفاوض أو التفريط بها. - دنت قضايا الحل النهائي بما هي جوهر القضية الفلسطينية، وغدت المحرك ومحور الصراع العربي الصهيوني بعد نفاذ التسويات الجزئية والثنائية والتفريطية، بظل غياب أية قوة فلسطينية أو عربية تملك قدرة التفريط بها أو المساومة عليها. - انحسرت قوة النظم والنخب العربية المتعاونة مع المحتل وتتأزم، بينما يتعملق دور سورية وإيران والمقاومات والشعوب ويتقدم باضطراد مع تزايد مأزق المشروعات الغربية. - تغيرت وتتغير موازين القوى الدولية والإقليمية وتتبدل التحالفات، فبعد أن حققت أمريكا عشية انهيار الاتحاد السوفيتي هيمنة متفردة عالمية، وتحقق للوبيات الصهيونية السيطرة على السياسات الأمريكية، والعالمية، بدأت السقوط المتسارع، وتحررت أمريكا اللاتينية على خيارات وطنية ويسارية اجتماعية تتحالف مع العرب ومقاوماتهم وتتبناها، كما تنهض حركة شعبية عالمية عريضة ضد الليبرالية والاحتلالات والعدوان، وتتغير موازين القوى الدولية مع عودة روسيا لاعبا دوليا ساعيا إلى التأثير، وصعود الصين والهند، والمتغيرات في آسيا والعالم الإسلامي وفي توازنات القوى الامبريالية وتعارض مصالحها ومدى تأثيرات الصراع العربي الإسرائيلي على مصالحها واستقرارها. - المتغيرات الاقتصادية في العالم، وفي توازن القوى الدولية، وآثار العولمة، وصعود مراكز قوة اقتصادية طرفية، وتقدم أهمية الجغرافية، والموارد، والنفط وخطوط نقله، تترك تأثيرات نوعية في توازن القوى وعناصرها وفي أولها تأزم في الاقتصاد الأمريكي قاطرا الاقتصاد الرأسمالي في طوره ما فوق الامبريالي، وتؤثر في مقدرة أمريكا وأوروبا على تبني وتحمل كلفة المشروع الصهيوني ومغامراته. يقف على رأس المتغيرات وأهمها أن إسرائيل، والغرب عموما، وحلفهم العربي والإسلامي يفتقد لعناصر القوة الحاسمة بعد نفاذ قدرة القوة العسكرية وهي في حالة التفوق الهائل، وما تعجز عنه القوة بالضرورة تعجز عنه الدبلوماسية واستراتيجيات القوة الناعمة.
رابعا: تحرير فلسطين لم يعد وهما إنما خيار واقعي راهن والحال، ومنطق الأشياء، وحقائق التاريخ، وفاعلية موازين القوى، وأثر المتغيرات الإستراتيجية في بيئة الصراع العربي الصهيوني، والمتغيرات في التوازنات الإقليمية والدولية وانعكاساتها العملية على مسارات الصراع وآفاقه تفيد بأن خيار تحرير فلسطين لم يعد وهما، وإنما صار خيارا واحتمالا راهنا تتأكد راهنيته من العناصر والمعطيات الآتية: 1- القوى المحركة للصراع جرت متغيرات كثيرة على طبيعة وحجم وعقيدة القوى العربية والإسلامية القائدة والمحركة للصراع فتراجع حضور الرأسماليات الطفيلية، والكمبرادورية، والقوى الوسيطة في بنيتها ومصالحها، والقوى الصبيانية الشعاراتية، وتقدمت قوى تنتمي إلى طبقات وأطياف المجتمع المسحوق، شابة في أعمارها، صلبة في عقائدها، مكافحة بدوافع وطنية وقومية ودينية واجتماعية، اختبرت واختزنت تجربة الأمة في المقاومة والصراع، وزادت عليها، قوى عاقلة في خطابها، راديكالية في بنيتها ومواقفها ومشروعاتها، تبني على تجارب الشعوب، وتستفيد من دروس الإخفاقات، وآخرها إخفاق التسويات والرهان على أمريكا والغرب وتفويضه، تعتمد على الذات، والتضحية بالنفس، وتحتمي بصلابة وصمود أسطوري لشعوب المنطقة، وقدرتها الهائلة على تحمل كلفة المقاومة، تحميها وتؤمن لها الدعم دولتان مستقرتان قويتان، عارفتان لما تريد، وقادرتان على قيادة الحقبة التاريخية، وقد تشكلت كدول قائدة قاعدة لعمل المقاومات ولخياراتها الراديكالية، وتبعث في قرارات وإرادات شعوب المنطقة روحا وثابة راديكالية، تعادي الغرب عموما والكيان الصهيوني وحلفائه العرب والمسلمين، وتشترك في الصراع عبر المقاطعة، والدعم والاحتضان للمقاومات، وتأزيم النظم والنخب المتآمرة والمرتبطة، فيما تشتبك فصائل منها مع المصالح الأمريكية والغربية على امتداد رقعة العالم في حرب متناظرة، نجحت في إسقاط الحرب العالمية على الإرهاب، فيما تشكلت التقنيات وأدوات التواصل المختلفة منابر ومساحات لإشهار الحق العربي والاتصال بالقواعد الشعبية العريضة وكشف زيف دعوات الغرب ومشاريعه. - تتشكل بيئات موضوعية، وذاتيه نوعية في تخليق وفرض مهمة التفاعل والائتلاف بين أطياف وقوى الأمة الحية، بتشكيلاتها الاجتماعية والثقافية والعقيدية، وتتشارك عمليا في قيادة وإدارة الصراع العربي الصهيوني على نحو إبداعي غير مسبوق، بينما تتراجع حديا قدرة النفط العربي ودوله على إفساد المقاومات وحركات الشعوب، واحتوائها. - يزداد الفرز حديا بين أطياف وكتل، وقوى الأمة على أساس الخيار الوطني والقومي وتلبية احتياجاته ما يحرر حركة التحرر والمقاومة من أعبائها التاريخية وعناصر شدها إلى الخلف وتفضيل خيارات التسويات والتهادن، ويسرع من انكشاف الأعطاب السابقة وتحرير المقاومات منها، ويكشف القوى المرتهنة ويعزلها ويؤزم نظمها وإداراتها. - تزداد مساحات الاشتباك المباشر بين الشعوب، والقوى الاستعمارية بدون توسطات النظم ومصالحها وحاجاتها وأوهامها، ما يعطي المقاومات والشعوب فرصة أوفر في إلحاق الهزيمة بالمشاريع الاستعمارية وأدواتها. - تمتاز بنى وقيادات المقاومات ودول إسنادها، بأنها ذات بنية وطبيعة وثقافة وطنية قومية تحررية صلبة، نجحت في ظروف أقسى، انتصرت وبنت على الانتصارات ولم تفرط بواحدة منها، ولم تهن أو تراهن على الخارج، وعلى التسويات، ومشروعاتها. 2- انتفاء دور القوة والتفوق العسكري بالمقاييس التي اعتمدت تاريخيا وحساباتها التقنية والعددية، وكلفتها الباهظة، وصارت المواجهات عبر وسائط وخطط، وأدوات الحرب الشعبية طويلة الأمد، وأصلها الاعتماد على الإنسان وقدراته وكفاحيته وصلابته، الأمر الذي أسقط مقولات التفوق التقني والتسليحي والدعم الأمريكي والأوروبي لإسرائيل" عناصر تبرير الخيانات والتسويات" وبدأ يترك أثره بعد حروب لبنان، وفلسطين على إعادة هيكلة الجيوش وخاصة جيوش دول الممانعة والمقاومة ويفرض على نظمها التكيف مع خيار المقاومة على مختلف الصعد. 3- تقدم دور وموقع المقاومة وحركاتها بعد أن فرضت نفسها خيارا صائبا، وبعد أن أنجزت انتصارات مرموقة في العراق، وفلسطين، والعراق، وصارت تمتلك قواعدها الارتكازية، وتشارك في النظم والحكومات أو تفرض منطقها على نظم وحكومات، الأمر الذي بدأ يترك آثارا هيكلية في النظام الرسمي العربي والإسلامي وعلى خياراته، ومؤسساته. 4- اتجاهات المستقبل الإنساني وحقائقه من الثابت في معطيات العصر، والتطورات التي تحققت، والتقدم المضطرد في العلوم، وفي انفتاح البشر بعضهم على بعض وتواصلهم التفاعلي، وسيادة قطاع اقتصاد المعرفة والموارد في الاقتصاد العالمي، ونجاح دول الجنوب بكسر احتكار التفوق التقني الغربي، وتفوق الجنوب ومنه العرب والمسلمين في الثروة البيولوجية" البشرية" وانتفاء القطبية الاقتصادية وتوزع منصاتها على الأطراف وما خلفته مرحلة سيادة الليبرالية الاقتصادية العالمية من تفاعل وتوحيد لإرادة وحركات القوى والطبقات المتضررة على مساحة الكرة الأرضية، وتشكيلها لجماعات ضغط ومقاومة للعولمة واللبرلة والأمركة، ومع التطورات والخبرات التي حصلتها مجتمعات الغرب خاصة الأوروبية لجهة دور الرأي العام والمجتمع المدني، والمؤسسات في إدارة المجتمعات، وانتخاب النخب للحكم، تكرست ظاهرة تتبدى سمة عصرية تفيد بانتفاء عصر الإمبراطوريات، وانكفاء الأمم والشعوب عن توفير مستلزماتها، الأمر الذي منع النخب الأوروبية من المشاركة في الغزوات، وسرع من هزيمة أمريكا، وينهي الدعم الشعبي العالمي للمشروع الصهيوني الاحتلالي. 5- عودة القضية الفلسطينية عربية إسلامية تحررية عالمية بامتياز، علامة على حقبة التحرر الوطني والقومي وفاعلية قضايا الحل النهائي نجحت النخب والفئات الفلسطينية التي تسلقت نضال الشعب الفلسطيني في عزل القضية، وتحويرها وتحويلها إلى قضية فلسطينية حصرا، تحت شعارات يا وحدنا، القرار الوطني المستقل، ونجحت في تأليب بعض المجتمعات العربية على الفلسطينيين وأدارت حروب أهلية فلسطينية فلسطينية وفلسطينية عربية في أكثر من ساحة، ووضعت القضية على طاولة دول النفط والتسويات، تمهيدا لقيادة خيار تسوية تفريطية جرى اختباره على مدى عقدين من الزمن. وفشل، وأدى الفشل المتراكم، لأسباب كثيرة بينها طبيعة تلك القوى وطبيعة المشروع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني وقـوى دعمه العالميـة، فكانت الانتفاضة المتأثرة بالمقاومة اللبنانية، والمدعومة منها ومن دول الممانعة والصمود، ثم استمرار الانتفاضة والمتغيرات في موازين القوى الفلسطينية الفلسطينية، وانحسار قدرة النظم التسووية، والفئات التسووية الفلسطينية عن تقديم أي انجاز يطيل عمرها، والتحاقها سافرة بالمشروع الصهيوني، وبالمشروع الأميركي الداعي لقيام حلف عربي يحمي إسرائيل ويوظف إمكاناته في مواجهة الشعب الفلسطيني المنتفض. وبسبب طبيعة القوى الوطنية الفلسطينية التي تقود المقاومة والانتفاضة، وبعد استنفاذ "أوسلو" لمشروعيتها الوطنية والزمنية... تسببت تلك التطورات وسواها في إعادة صياغة القضية الفلسطينية على أنها قضية العرب والمسلمين وأحرار العالم الجوهرية، وواحدة من أهم بؤر الصراع مع القوى الاستعمارية. وزاد في عودة القضية إلى بيئتها طبيعة القوى الوطنية الفلسطينية التي تمتشق السلاح وتتربع على قيادة النضال الوطني وترفض الكيانية، وتربط الصراع بمستقبل المنطقة كلها، وبمشروع تحرر العالم الإسلامي والعربي، وفي ذلك تطور نوعي يسهم إسهاما عميقا في حل مشكلات الصراع ويغير في موازين القوى والاتجاهات. والشواهد كثيرة تبدأ من تحميل سورية وإيران المسؤولية، إلى تجميع حلف الاعتدال الخياني إلى محاولات استهداف سورية وإيران بحروب إقليمية. خلاصات: حرب مفتوحة، تحرير فلسطين أمر راهن الخلاصة الأولى ولت مرحلة التسويات، وانفتح الصراع على اشتباك متصل حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. قد وستحصل محاولات محمومة لإعادة تسويق فكرة التسويات السياسية، والبحث عن حلول عبر التفاوض، وستبذل جهود لاستعادة منطق الزمن الغابر، بيد أن المعطيات المادية ذاتها وعلى الضفتين صارت تقف حائلا دون أي تقدم على هذا الصعيد وستبدو المفاوضات مرحلة تقطيع وقت يحتاجها الفريقان المتصارعان. مرة جديدة تسطع حقيقة تاريخية تفيد بأن الصراع القومي لا يجد لنفسه حلولا سوى الحلول الراديكالية الناجزة المشروطة بعودة الحق إلى أصحابه" وإلا استمرار الصراع " تتجلى هذه الحقيقة بصورة قاطعة في الصراع العربي الصهيوني، وتستعجل معها حقيقة أن العرب ملزمون بالسعي لانجاز تحررهم وإقامة دولتهم الوطنية كشرط لازم لمشاركتهم في نظام أمن إقليمي مع الأمم المجاورة كحاجة وكسمة تاريخية ماسة، وكشرط أساس لمشاركتهم في بناء الحضارة الإنسانية في كوكب تتحد وتتقاطع إرادات ومصالح أممه على نظام عالمي" حكومة عالمية آتية لا ريب". الخلاصة الثانية: التحرير آت، وانجازه مرهون باستمرار الاشتباك حتى الانجاز لم تعد هناك قوة في الكون قادرة على فرض وتطبيع وتحكيم الكيان الصهيوني بالمنطقة العربية والإسلامية. ولم تعد هناك قوة قادرة على حماية الكيان، وتحمل كلفته الباهظة، وليس في الأفق من صعود لإمبراطورية عدوانية احتلالية. سمات العصر، ومنطقه، تحول دون ولادة مشروعات احتلالية في الأفق كما في الواقع، واستمرار الكيان الصهيوني صار عبئا على الإنسانية، وعبثا مدمرا يطاول مصالح أمم الغرب وشعوبه. احتواء المسألة اليهودية ممكن في عالم الألفية الثالثة، ويمكن توزيع عبئها على الأمم والشعوب، لا تحميلها للعرب والمسلمين والاستثمار بها، كما فعل الغرب على مدى قرن كامل مضى وانقضى. العالم العربي والإسلامي في مرحلة مخاض، قد تطول، لكن مولودها محكوم بأن يكون تحرريا وتوحيديا، بحكم طبيعة البدائل، وحكم المسار التاريخي، وسمات العصر. العرب، باتوا يملكون القوة، ويعرفون الطريق، ويحققون الانتصارات، ويحفظونها، ويوظفونها لتحقيق الجديد منها، ولهم خبرة وتجربة عريقة، ولهم دولة تشكلت قاعدة قائدة لخيار المقاومة ومحكومة، ومحكومين بتطويرها والبناء على المحقق لامتلاك مشروع القيام والنهضة الذي دنا وجوبه، وتوفرت شروطه التأسيسية، وبيئته الحاضنة. اختبرت الاستراتيجيات الغربية كلها، ولم يعد العقل الغربي قادراً على توليد الجديد منها ولا تتوفر له إمكانيات ذلك، فاستراتيجيات الإخضاع بالقوة والاحتلال اختبرت في النصف الأول من القرن الماضي وسقطت، واختبرت في العقد الأول من القرن الحالي وهي في طريق السقوط، واستراتيجيات الاحتواء والسيطرة عن بعد أو عبر القواعد والنظم والنخب العملية جرى اختبارها في العقد الأخير من القرن الماضي ولن تجدي عملية إعادة اختبارها لأن الزمن تغير، وقد هزمت القوة الصلبة، حيث لا تفيد القوة اللينة والدبلوماسية. الشرط الوحيد للحؤول دون تحرير فلسطين وعودتها عربية هو إبادة العرب والمسلمين على طريقة الهنود الحمر. وهذا أمر من رابع المستحيلات، وغير ذلك لم يعد يجدي سوى إطالة الاشتباك والمعاناة وكلفة التحرير. الخلاصة الثالثة: المقاومة الفلسطينية والمقاومات العربية وهي تلعب دورا مركزيا في التحرير تتحول إلى فعل هجومي في تفخيخ وتفجير النظم والكيانات القطرية الملحقة. بين السيناريوهات المشغولة لتخفيف العبء عن إسرائيل والغرب، وتلغيم المشروع التحرري العربي والإسلامي، تكليف نظم وتحالفات عربية وإسلامية بمهمة استنزاف المقاومات وإخضاعها، وفي هذا السياق تبدو محاولات إلحاق الضفة بالأردن، أو الاستعانة بقوات أردنية شريكة لسلطة أبو مازن الهامشية، ومع الاحتلال لإخضاع الضفة، وإلحاق غزة بمصر، أو تكليف الأمن المصري بإدارتها، أو إقامة اتحادات كونفدرالية مصرية أردنية فلسطينية إسرائيلية ونحوها، بمثابة مخارج مأزومة من أزمات مفتوحة، أقل ما ستنتجه في حال تحققت على أي مستوى هو نقل أثر المقاومة وفاعليتها إلى تلك المجتمعات، وتسريع انفجارها وكشف نظمها على أزمات مستعصية الحل، ما ينبئ بتحول المقاومة الفلسطينية وقضيتها إلى عنصر حاسم في استنزاف إسرائيل وإلحاق الهزيمة بها وتشكلها كعنصر محرك لأزمات النظم القطرية المتعاقدة مع إسرائيل والخائنة وطنيا وقوميا، وفي هذا متغير نوعي تاريخي في نتائجه وآثاره الإستراتيجية العديدة. الخلاصة الرابعة: إسرائيل دخلت طور الهزيمة الراهنة، أي مسار؟ أي مستقبل؟: في إسرائيل وفي النخب الغربية نقاشات حاسمة وجادة عن خطر الأزمة الوجودية التي تضرب بالكيان الصهيوني وبحث عن مخارج ليس من أفق لها عمليا. العناصر والمتغيرات جميعها ليست في صالح تجديد عناصر قوة المشروع الصهيوني أو استبدالها بأخرى أنجع. بعد ما حققته المقاومات، وتزايد عناصر قوتها وفاعليتها، وتعاظم قوة دول مساندتها، وحجم الالتفاف الشعبي حولها يجعل من إسقاطها أو إضعافها، أو إشغالها أو استنزافها، أمر مستبعد لاسيما مع طبيعتها وطبيعة قياداتها والتزاماتها وتجربتها وصلابتها الفولاذية. في التجربة اللبنانية سجلت إسرائيل سابقات يمكن أن تتكرر في فلسطين، فتمت الهزيمة متدرجة، انسحابات جزئية، واختبارات للقوى والحماية المركزة، ثم اضطرت للانسحاب التام إلى الخط الأزرق، ثم سجلت المقاومة عمليات في مزارع شبعا، وتجاوزت الخط الأزرق وعجزت إسرائيل عن لجمها وعن استعادة قوة الردع التي فقدتها في حرب تموز. في فلسطين تأخذ الآليات ذات المسار، وهذا منطقي بسبب طبيعة العدو، وطبيعة المقاومة وطبيعة القضية، فقد بدأت إسرائيل خط التنازلات والانسحابات من طرف واحد وتفكيك المستوطنات من غزة، وتحت النار وبدون مفاوضات ثم تحررت غزة بإدارة قوى المقاومة منفردة. في الضفة تفقد إسرائيل وحلفها السيطرة على المدن ومناطق الكثافة السكانية وتخليها سوى من عمليات إغارة، وبدأ حديث يتصاعد عن مبادرات لانسحابات إسرائيلية خارج المدن ومناطق الكثافة، وعن عروض لمشروع إطار، وعن مبادرة لرئيس إسرائيل شمعون بيرز في تسوية بحدود الرابع من حزيران، وفي كل ذلك مؤشرات نوعية على احتمالات الهزيمة الإسرائيلية وآلياتها التي ستتخذ منحى غزة ولبنان ذاته: انسحابات، تفويض قوى ضعيفة، ثم فقدان السيطرة وهكذا دواليك، وبناء الجدار مؤشر حاسم على المسارات المحتملة. تقف عقبات في وجه استكمال هذا السيناريو، وستفرض نوعا مختلفا من المواجهات والمخارج - الجدار، الكتل الاستيطانية في الضفة، الحدود مع الأردن، القدس الشرقية؛ تفكيك الجدار والكتل الاستيطانية في الضفة أمر صعب ومعقد وقد لا تستطيعه حكومة إسرائيلية، كما ترك الحدود مع الأردن مفتوحة وتحت إدارة فلسطينية أو أردنية، لطولها، ولطبيعتها، ولطبيعة الضفة وسيطرتها على عمق الكيان الصهيوني وتهديده استراتيجيا، الأمر الذي يجعلها جزءا من معركة تحرير فلسطين واحتمالاتها الكلية. - التوازن الديموغرافي في فلسطين ال48 وحق العودة أمر يستحيل معه تقسيط، أو انسحابات جزئية، وسيناريوهات معالجتـه عـن طريق التهجير الثانـي، أو الاقتطاع والضم إلى الضفة في دولة معدلة ولن تقوى قوة على تحقيقه وحمايته، ومن شأن اعتماده تأجيج الصراع، لا ترقيده، وتاليا تصبح المسألة مرة ثانية مطروحة في سياق خيارات حل المسألة اليهودية وتحرير فلسطين الناجز والكامل. - سيناريو الحرب الإقليمية، أو غزو غزة، أو غزو لبنان من جديد يفتح على معركة كبرى حاسمة ستكون أولى نتائجها جعل خيار تحرير فلسطين أمر حتمي وناجز كنتيجة مباشرة لتلك الحروب إن وقعت بمغامرة إسرائيلية. سيناريوهات المخارج العقلانية لحل نهائي للصراع العربي الصهيوني في الأفق سيناريوهات ثلاث هي: 1- سيناريو جنوب إفريقيا، أي مصالحة تاريخية تعود بموجبها فلسطين عربية، بمقابل ضمان عربي عالمي لحل المسألة اليهودية حلا ثوريا، وتحمل جزء من مسؤولية إعادة توطين اليهود في دول العالم، بما في ذلك إعطاء من يبقى من اليهود في فلسطين حقوق مواطنيه ذات طبيعة خاصة في فلسطين. وإيجاد آليات لاستيعاب من يعودون إلى بلدانهم العربية الأصلية. 2- سيناريو طرد اليهود وتصفية الكيان الاستيطاني على الطريقة الجزائرية، أمر ممكن الحدوث وله حظوظ أعلى إن وقعت حرب إقليمية، أو استمر الاشتباك بوتائر متصاعدة. 3- سيناريو الدولتين، تخطاه الزمن يفقد شروطه وقواه القادرة على إنجازه، وحمايته، فقد كان مشروعا ممكنا في تسعينات القرن الماضي وقد رحلت الفرصة التاريخية، وإن حدث فمجرد تسوية مؤقتة "هدنة" إلى حين تبلور المتغيرات الدولية والإقليمية واستقرارها على متغيرات إستراتيجية في طبيعة القوى الدولية، وأحجامها ودورها. هذا ما تفيد به المتغيرات البنيوية، والإستراتيجية في بيئة وعناصر وآليات الصراع العربي الصهيوني. مفاد الحقائق مجتمعة، والمتغيرات المتفاعلة، تقرير أن الصراع صار مفتوحا على اشتباك متصل، بوتائر مختلفة، لا تخلو من احتمال حرب أو حروب إقليمية مدمرة. الكيان الصهيوني صار عبئا على صانعيه، يعجزون عن توفير حمايته، ومده بأسباب القوة، وبالنسبة للمنطقة وشعوبها ظل كما في أصله قوة زائدة مفروضة لم تجرِ عملية تطبيعه أو هضمه. اهتدى العرب والمسلمون إلى طريق التحرر، وشرعوا في انتزاع الانتصارات عبره وليس من قوة في الكون تعيدهم إلى ما كانوا عليه سابقا. العالم يتغير، والعرب والمسلمون بدفع من قضيتهم التحررية وفي قلبها فلسطين، صاروا قوة صانعة للأحداث، وعنصر توليد للجديد العالمي والإقليمي ولن يرجعوا إلى الوراء. ميزان القوى يتغير لصالح العرب والمسلمين وفرص النكوص لا أفق لها بعد. تحرير فلسطين أمر راهن. هذه هي الخلاصة الذهبية للقراءة في المتغيرات الإستراتيجية للصراع العربي الصهيوني وانهيار المشروع الصهيوني متساو مع انهيار مشروعات الغرب وهزيمة أمريكا والاتحاد الأوروبي وحلفهما في المنطقة وعلى يد العرب والمسلمين. م.ع. |
|
المقالات تعبر عن آراء كاتبيها المصدر: مجلة العرب والعولمة جميع الحقوق محفوظة
|