تقرير سياسي تأسيسي يتواصل بتقرير شهري

حال الأمة في عالم يتغير (5)

العرب والمسلمون أمم وشعوب أم أمه؟

ما الجديد النوعي؟ وأي تسوية تاريخية ممكنة؟

بين العرب كأمة مكتملة المواصفات والأصول والعناصر، لا ينقصها سوى انجاز وحدتها القومية في دولتها الوطنية، واستكمال مهمة تحررها الوطني، ودول وأمم العالم الإسلامي، كثير من عناصر الاتصال، والاتفاق، والتقاطعات، منذ تشكل العالم في الماضي المغرق في قدمه استقرارا، واستمرارا، وتواصلا في الجغرافية المتصلة، والأقوام، والأعراق، والألسن، وجذورها، وفي المصالح والتاريخ المشترك، والبنية العقيدة، والثقافية، وفي التشكيلات الأنتروبولوجية، وفي التقاليد، ومناهج المعرفة، والتفكير، والحياة، والأخلاق، والأسرة، والمحرمات، والحدود الأخلاقية والقيمة، والتشريعات ومصادرها، وتماثل البنية الاجتماعية والتفاعل التكاملي في الاقتصاد وفروعه وقطاعاته.

في التاريخ، ومستويات التداخل التفاعلي، كان العرب، ومحيطهم إلى فترة قصيرة مضت أشبه بعالم واحد، تسقط فيه الحدود وتنفتح الجغرافية على مصراعيها وامتداداتها، وتتوحد الثقافات، واليات الحكم والعيش، تسيطر عليه سلطات من طابع وبنية واليات واحدة تقريبا، تمتد وتستمد آليات الحكم من شرائع متفقة، منطلقها المنطقة العربية، مرة من بلاد الشام والرافدين، ومرة من الحجاز الجغرافيا التي كانت تسمى بالعربية ومنها اتخذ العرب اسمهم وسماتهم.

في العربية، كانت الحضارات، وحصلت المتغيرات على الإنسان وعلاقته بالماورائيات والطبيعة، وفيها نزلت الرسالات السماوية، وترعرعت، وعبرها امتدت إلى أرجاء المعمورة حاملة معها بعض خصائص العربية، وصلب تقاليدها، ومفاهيمها، وتفاعلت المفاهيم والعقائد، والرسالات مع حضارات الأمم، التي لامسها تغيير لتنسجم مع طابع وطبيعة الأمم والشعوب الأخرى وثقافاتها وتطابق مصالحها وحراكها التاريخي.

حمل العرب الرسالات السماوية ونشروها فعمموا ثقافاتهم، والكثير من مفردات لغتهم، وألزموا بأمر الهي الأمم التي اعتنقت الرسالات خاصة المحمدية بان تقرأ كتاب الإسلام بلغتهم حصرا، وإلا فقدت بعض من إيمانها، كما صارت شرعية الحكام  في أحيان كثيرة يجب أن تكون مستمدة من الدين مشروطة بان يكونوا من أصول عربية ومن أل البيت وإلا فقدوا الغطاء.

تشهد وقائع التاريخ القديم وصولا إلى الساعة، أن لا قيامة لإمبراطورية، أو حضارة في الإقليم ما لم يكن العرب طرفا، شريكا أساسا فيها، كما كانت المسيحية، واليهودية، والإسلامية كذلك الحضارات الوضعية والإمبراطوريات التي شهدها العالم حتى نهاية القرن التاسع عشر.

كما في الإمبراطوريات، والحضارات، كذلك في الاقتصاد، وعلومه، وأصوله وفروعه وطرق تجارته، وموارده، ولا تشذ العلوم المختلفة في أصولها وأسسها، وفروعها من الفلسفة إلى علم الحساب والهندسة، مرورا بعلوم الطب، والبيولوجيا ناهيك عن العلوم الإنسانية، وضوابطها، وحدودها إلى التشريع، والتقاضي والتحكيم، وقيم العدالة، وقواعدها والأصل في العلوم المادية.

بكل حساب، وبأي قواعد تفكير وتحليل، وبحسب وقائع التاريخ ومساراته، وعلومه، وضوابطه، وباعتماد مناهج المقارنة، ومفاتيح وقواعد الفكر الديني، أو المدني، يمكن الجزم القاطع، بان ما بين العرب، والعالم الإسلامي وأممه عناصر تفاعل وتقاطع، تزيد عما تحقق عبر الزمن بين الأمم الأخرى المتجاورة، وبينها ومع العرب، أو الأمم الإسلامية وفي اسطع نماذجها الحية، الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية، والنماذج الجديدة المتشكلة في الواقع الراهن، كمنظمة شنغهاي، والمشروع البوليفاري في أمريكا اللاتينية والكاريبي والاتحاد الإفريقي، ودول الثمانية الكبار، ومنظمة التجارة العالمية، ونموذج الهيمنة الأمريكية المسمى عولمة، وما يسعى إليه الغرب بأدواته المحلية ونفوذه وقوته العسكرية والاقتصادية الهائلة من إقامة شرق أوسط كبير وواسع وجديد.

حتى سقوط الإمبراطورية التي هرمت العثمانية" كإسلامية متقاطعة مع العرب" في الحرب العالمية الأولى، وقبلها ظهور النزعات القومية في القرنين التاسع عشر والعشرين، بدفع من مصالح الرأسمالية الصناعية والتجارية المتشكلة في العالم وخاصة في أوروبا، كان العرب قلب العالم الإسلامي، ومنارته، وعنصره الضابط، وأساس في بنيته وحضاراته.

بين العرب والأمم الإسلامية، كان صراع من نتاج وطبيعة المرحلة الماضية وخاصياتها وقد انتفت وتغيرت في واقع عالم اليوم، وفي مؤشرات اتجاهات المستقبل:

1- مع صعود الفكر القومي، واتخاذ التشكيلات الاجتماعية العالمية صفة الأمم، وسعيها للتحرر من الاستعمار، ومن النظم القديمة" الإقطاعية المعيقة والمتحالفة مع رجال الدين" على اثر ظهور الرأسمالية الأوروبية بنزعتها التحررية، والإنسانية، المتعارضة مع الإقطاع وهيمنة رجال الدين، وتحولها إلى البوتقة القومية بحثا عن مصالحها وتحقيقا لها، أصيبت المنطقة العربية والإسلامية بالعدوى، ولعبت الأقليات الدينية والإثنية في العالم العربي، دورا رائدا في إطلاق الفكر القومي والتنظير له، مرة بسبب تأثرها بالغرب وثقافاته، وتفاعلا مع الجاري فيه، ومرة بسبب الحاجة والرغبة للتحرر من الهيمنة العثمانية التي كانت تتخذ طابع الهيمنة الدينية لتخديم مصالح نخب حاكمة ومسيطرة منهكة ومريضة عرضة لعبث الرأسماليات الغربية نفسها، وبسبب من طابع تلك الإمبراطورية، وسياساتها التي اتسمت في نهايات عهدها بممارسات قومية، وتحولت من إمبراطورية ذات طابع إسلامي إلى إمبراطورية استعمارية ذات مصالح فئوية، أقلوية، وقومية، ما حفز على نزوع قومي عربي تأصل وتمتن على قاعدة الصراع مع الحكم العثماني، فصار الصراع يحتدم بين فكر ونظريات إسلامية تبحث عن عناصر داعمة في أصول وأسس وقواعد تشكيل الأمم، تستدل عليها بان المسلمين امة واحدة، وبين فكر قومي عربي يفصل بين العرب، وعناصر تشكل أمتهم، على نقيض من آليات تشكل امة إسلامية يقول بها دعاتها ومنظريها، ومريديها.

2- في العصر الراهن وفي المرحلة الحالية التي تمتاز بعناصر مختلفة عما كان ما يفسح بالمجال أمام آليات تفكير جديدة، ومناهج للتعامل مع مقولات الأمة العربية، أو الأمة الإسلامية مختلفة عما سبق:

-  لم يعد العرب تحت الاستعمار العثماني ذي الطابع والصبغة الإسلامية فلم تعد من قضية تفترض تمييزا حادا بن العرب، والمسلمين لتبرير حق الحركة التحررية العربية في مواجهة السلطنة العثمانية المتجلببة بجلباب الدين، ولم يعد التمييز بين العروبة والإسلام واجبا وطنيا وقوميا كشرط لازم لتثبيت امتلاك الأمة العربية لعناصر تشكلها.

- كما العرب اليوم بغالبيتهم الساحقة، كذلك الأمم والشعوب الإسلامية بغالبيتها تقع تحت نير استعمار من طابع واحد، ولأهداف واحدة، فصار التحرر العربي، أو تحرر أي من الأمم الإسلامية من هيمنة القوى الاستعمارية الغربية مشروطا بتحرر الأمم الأخرى وصارت هذه نقاط تقاطع مصالح إستراتيجية توفر بيئة لتقاطعات وتقارب تؤدي إلى تراجع مبررات الصراع بين الفكر القومي العربي مع السمات الإسلامية، وتسمح بإذابة الحدود أو تخفيفها .

- إعلان الغرب متحدا، حربا على الإسلام كدين وعقيدة، ونمط حياة وتفكير، وثقافة، قيمية، واستهداف العرب في أول فصول الحرب، لأنهم حفظة الإسلام، وقادته، وموطنه، وإعلان الحرب على الإرهاب على انه فكر ومنتج عربي وإسلامي، ثم إعلان حرب الحضارات، وممارستها من قبل الغرب، ودوله، ووسائله للسيطرة، باتت عناصر جامعة تحفز على التقارب والبحث عن التقاطعات في مواجهة الموجة الغربية العدوانية التي تستهدف الجميع في أرضهم، ونظمهم، وقيمهم، وعقيدتهم، ما يوفر بدوره بيئة حاضنة عملية ونوعية لتفعيل نقاط التقاطع وعناصر التشابك في المصالح وأولها صد الهجمة العالمية الشرسة وشرطها تقارب وتوحد الجهود ونتائجها إطلاق حراك شعبي ثقافي، واجتماعي، وعمل مقاوم عسكري ساحاته المحورية وقواه الحاسمة عربية الانتماء، لكنها حراك ذو طابع إسلامي وامتداد جغرافي يغطي العالم الإسلامي ويمتد إلى مساحات الكرة الأرضية برمتها، يعززها طابع الحرب العالمية التي أعلنها الغرب، لتمتد مائة عام، تدور على قواعد واليات الحرب غير المتناظرة .

- تراجع دور وفاعلية الأقليات الدينية والإثنية، بعد استنفاذه، وعلى اثر انخرط بعضها في مشروعات الغرب ومخططاته وحروبه على العرب والمسلمين مما اضعف دورها، وقدرتها على التأثير الفكري والنظري في ثقافات وخيارات أمم المنطقة والتأثير في مشروعاتها وحراكها السياسي التحرري والتنموي.

- الانقسامات العربية، والإسلامية غدت انقسامات سياسية، لا عقيدية، ولا تنضبط بأطر وقوالب قومية، وبدأت تتخذ طابعا يجاوز القوميات وتمحورها إلى الإقليمية والانضباط في انقسامات وأحلاف ذات طابع دولي، فمن العرب، والمسلمين من تطوع ويعمل بأمر من المشروع الغربي، وقد تحولت نظمه إلى استطالات غربية، تقدم مصالح الغرب على مصالح العرب والمسلمين، وحقوقهم، لا مهمة لها سوى حفظ مصالح الغرب وأدواته الاستعمارية، ونظمه ونخبه، والعمل على تفتيت العرب والمسلمين في حروب حدودية، أو حروب طائفية ومذهبية، وقد نسج الغرب عبر أمريكا وإسرائيل حلفا عربيا" حلف المعتدلين المهزومين في حرب تموز، وحلفا إسلاميا إسرائيليا في اجتماعات باكستان وشرم الشيخ"، وعلى الجبهة الثانية يقوم حلف متين تأسس وتأصل على مدى عقدين ونيف، بين دول، ونخب، وكتل اجتماعية وسياسية عربية وإسلامية تحت شعارات وعناوين وبرامج تنتظم فـي آليات عمل مشتركة إستراتيجية في مشروع نهضوي قاعدته خيار مقاومة المشروعات الغربية والامبريالية بتجلياتها وأدواتها المختلفة، تقف فيه إيران" الجمهورية الإسلامية" وسورية "الجمهورية القومية العلمانية" وتقترب منه تركيا "بطابعها التحديثي الإسلامي العلماني"، والمقاومات العربية والحركة الشعبية العربية والإسلامية بأطيافه المختلفة وعلى رأسها الجهاديتين السنية والشيعية، في الصف المتقدم من المواجهة بما في ذلك مواجهة الحلف العربي الإسرائيلي الإسلامي في مختلف الساحات ومساحات الاشتباك المفتوحة.

- العالم، والحقبة التاريخية بسماتها، وبتراكم الخبرات والتطورات، وباليات انتظام المصالح العالمية والإقليمية، تشير بمجملها إلى حقبة تتجاوز فيها الإنسانية وتشكيلاتها الجمعية والاجتماعية حقبة القوميات وصراعاتها وحروبها لصالح حقبة التوافقات، والتقاطعات وإقامة النظم ما فوق القومية، كاتحادات تتخلى فيها الأمم عن سماتها وعن عناصرها القومية السياسية لصالح سيادات من طابع تاريخي جديد، ما يقوم وما ينتج في العالم بقاراته المختلفة وباتجاهاته الأربع لابد انه أخذ المنطقة العربية والعالم الإسلامي إليه مع ضرورة التوقف كثيرا عند حقيقة أن الاتحادات ما فوق القومية لا تقوم و لا تتأسس بثبات وديمومة، وبتعاقدات حرة، ما لم تتحرر كل امة على حدا، وما لم تنبي دولتها الوطنية، كما جرى في أوروبا، وسبق تشكيلها كاتحاد جامع لأمم كانت محتربة حتى النصف الثاني من القرن الماضي، والمثل الساطع الاتحاد السوفيتي وتجربة الدمج القومية القسرية التي كانت سببا مباشرا في انهيار التجربة وانفجارها الداخلي، وما هي عليه الآن منظمة شنغهاي، ومشروع إقامة الإقليم البوليفاري في أمريكا اللاتينية تنضبط في السياق التاريخي.

- تقاطع المصالح الاقتصادية والاجتماعية، وضغط الضرورات، والصيرورات التاريخية، تشهد حقائق التاريخ، وطبيعة المنطقة، وبنيتها على أن ما بين العرب، والعالم الإسلامي من تقاطعات ومصالح اجتماعية ، ومصالح مشتركة، ومواجهة عدو مشترك، وتفاعل مصالح اقتصادية، وأفاق مفتوحة في أفق العالم الجديد المتشكل، وحجم تطور المصالح واليات واطر التبادلات ووجود بؤر وساحات تفاعل أو اشتباك، العراق، لبنان، فلسطين، أفغانستان، الخليج العربي، الحرب على الإرهاب والإسلام، وفي التشكيلات الاقتصادية، والبيئات الصاعدة تؤكد بأن ليس للعرب، وللأمم الإسلامية من خيارات عملية سوى التفاعل في بيئتهم والتبادل فيما بينهم، بالاستثمار في الجغرافية، والتكامل الاقتصادي الاجتماعي، والتجربة التركية مع الاتحاد الأوروبي تجربة محفزة جدا، كما تجربة سورية مع الشراكة الأوروبية، وفي الضغوط الأمريكي والأوروبية على إيران، وباكستان، والسودان، وما يفرض من حصارات.

- في الحاجات الجديدة للتكتلات الدولية وطابعها، وطبيعتها المختلفة عما كان في القرون الماضية، فمنظمة شنغهاي تتقاطع مصالحها عند مصالح العرب والمسلمين وتتشكل كقوة محفزة لهم على الاتحاد والاتفاق والتفاعل مع الشرق، والجنوب بدل التطلع إلى الغرب والشمال المقفل في وجههم، والمتعارض مع طبيعتهم ومصالحهم وما كان من تبعية للغرب، فرضتها حالة التفرقة والتفرد والتجزئة.

- طبيعة الاقتصاد العالمي، وأزماته، وفروعه الناشطة، والمتغيرات الجوهرية التي حدثت على بنيته، وعلى علاقة القومي بالأممي، خاصة مع سيطرة الشركات المتعددة الجنسية على الحراك الاقتصادي وتاليا على تشكيل الحكومات، والوحدات القارية وما فوق القومية، وتراجع ضوابط الحدود، والسيادة، وما تكشفه العناصر المختلفة من متغيرات جوهرية بنيوية في بنية الاقتصاد الدولي، وفي أهم عناصرها انتقال عناصر الثقل، ومواطن الفعل الاقتصادي إلى الأطراف في الشبكة الاقتصادية العنكبوتية، حيث الأسواق، الأموال، اليد العاملة الرخيصة والموارد، والموقع الجغرافي، وفيها تحتل المنطقة العربية، والإسلامية موقعا محوريا، خاصة بلدان النفط وغالبها عربي وإسلامي، ما يعني توفر أساسا ماديا نوعيا وجديدا لتحرر العرب والمسلمين وتوفير بيئة استقلالهم الاقتصادي وتاليا السياسي والاجتماعي وما يمهد الطريق لبناء قطب إقليمي دولي وازن إذا اتفق العرب والمسلمون وقاموا بتفعيل عناصر التقاطع والمصالح على ما هي عليه وعلى ما هي مفتوحة عليه في بيئة السمات الواسمه لعالم الألفية الثالثة.

في الخلاصة

- دعوة لمقاربات نظرية وفكرية جديدة منسجمة مع معطيات المرحلة العالمية والإقليمية وسماتها بما يخص آليات تشكل الأمم، وعناصرها، واليات تشكل النظم الإقليمية الجديدة وعناصرها وخواصها وأسبابها وشروطها.

- ما كان شرطا لتبلور العرب كأمة مكتملة عبر وحدتها" الأمة الدولة" استكمالا ناجزا لعناصر تشكلهم امة دولة، وفي أولها الصدام بين العروبة والإسلام للتحرر من الهيمنة التي اتخذت طابعا استعماريا للإمبراطورية العثمانية بغطاء ديني نهاية القرن التاسع عشر والعشرين، لم تعد قائمة بل البيئة موفورة ودافعة لعودة العرب قوة محورية في نهضة عربية إسلامية علـى أنهـم ساحة الاشتباك مـع الغرب، وأدوات ومشروعات هيمنته، وباعتبار مقاوماتهم الممتدة على قرن ونيف، حققت انتصارات نوعية تاريخية أزمت، واستنزفت الهيمنة الغربية على العرب والمسلمين ووضعتها في حال التداعي والانهيار، خلال العقدين الأخيرين، تشكلت مقاومات العرب كقابلة قانونية مولدة للظاهرات التاريخية العصرية الكونية وفي البيئة الإقليمية، ما يرشح العرب للعودة إلى دور اختصوه تاريخيا في إخراج المنطقة والإقليم من الأزمات، وتقديم الجديد عالميا، والعرب محكومون اليوم كما في التاريخ القديم، وكما هي فاعلية الحراك التاريخي الإنساني بأن يحملوا معهم الأمم إلى التحرر وهم في طور انجازهم لمهمة تحررهم، والسمة الثانية الفاعلة تتكرس في كون المقاومات التي تصنع تاريخ المنطقة وتقرر واقعها ومستقبلها هي ذات أبعاد وطابع وامتداد عربي وإسلامي تنجز مهمة رد هجوم الغرب والتحرر من الهيمنة، ومواجهة غزواته الجديدة للمنطقة.

- في واقع المتغيرات الدولية، والإقليمية حقائق جمة ومؤشرات في ذات الاتجاهات على رأسها أن أطياف الأمة العربية، والأمم الإسلامية في حقبة البحث عن المشتركات، وتقديم الأولويات، على الثانويات، وهي محكومة وقد نضجت في مهمة ووظيفة التفاعل الخلاق لتوحيد أطياف الأمة من التلاوين السياسية، والعقيدية، والاثنية في معركة التحرر حيث هي مستهدفة بأطيافها، وبجغرافيتها، وبقيمها، وبتاريخيها، وباستقرارها ومصالحها، وبوجودها مادام مشروع الغرب تحول إلى إستراتيجية بعث الفوضى الهلاكة، لإعادة تقسيم وتشكيل المنطقة مناطق وقبائل وطوائف محتربة يدفع فيها الجميع ثمنا باهظا والنموذج الساطع في العراق، ودار فور، ومجريات أحداثها وانعكاساتها على الأقليات، والأطياف المختلفة.

- في المنطقة وبيئتها قضايا شائكة وعويصة، لا يمكن حلها وتسويتها وقطع دابر التدخلات الخارجية والاستثمار الاستعماري فيها بدون بيئة عربية إسلامية، جامعة منسجمة قادرة على احتضان واحتواء تلك المشكلات وتجاوزها تجاوزا خلاقا مبدعا، ومثمرا، كمثل المسألة الكردية، ومسألة الجنوب السوداني، وقضايا دارفور، والصومال واو غادين، ومشكلات تركة الاستعمار في التقسيم، وتحديد الحدود مع الأمم المجاورة، كتركيا، وإيران، وإفريقيا، وفيما بين الدول القطرية العربية المصطنعة، ومعالجة مشكلة القبائل والبربر في شمال إفريقيا العربية، تلك المشكلات التي تستعصي اليوم، وتعجز عن فرض نفسها، وتحررها، وتتحول بفعل التدخلات الخارجية إلى أزمات استنزافية مفتوحة على كوارث اجتماعية وإنسانية كما جرى مع المسيحيين العرب في العراق، ومصيرهم، وما هو متوقع مع الأكراد لحظة انحسار الوجود الأمريكي ورحيله،  بعكس ما كانت عليه في سابق الأزمان حيث تقاطعت وتفاعلت المصالح تحت عباءة عربية إسلامية فكانت ظاهرات تاريخية مؤسسة كظاهرة الحقبة الأيوبية، والحقبة الأندلسية وكلتاهما قامتا على تفاهمات عميقة بين العرب، والأقليات الدينية" مسيحيين ويهود" والعرقية "الأكراد، والبربر" تحت ضلال العقيدة الإسلامية التحررية.

هنا في التاريخ الحاضر، وفي مشروع صناعة وكتابة تاريخ المستقبل التي تتقنها المقاومات العربية والإسلامية والتحالف الحاضن لها، تتكرس حقائق، وسمات، وتتغير معطيات وبيئات، تجعل من افتعال الخلاف بين العروبة، والإسلام، وبين العرب كأمة والأمم الإسلامية، وتصعيد التناقضات والنزاعات الحدودية، والإثنية، والطائفية والمذهبية، عملا من رجس الشيطان، واجب الاجتناب، وعمل من فعل القوى الاستعمارية وأدواتها واجب مقاومته وإسقاطه والانفتاح الخلاق الحضاري، والإنساني على بيئة الأمم الممتدة في ساحات ما يصطلح على تسميته العالم الإسلامي كامتداد طبيعي للعرب وتحالفاتهم وتقاطع مصالحهم مع الأمم الشريكة في الجغرافية والقيم، والثقافة والتاريخ، والعقيدة، والتقدم بثبات وبشراكة عاقلة إلى التفاعل مع أمم الشرق، والجنوب، تمهيدا لإحداث تغيير نوعي في توازن القوى الدولي يؤهل العالم لعالم جديد مختلف متوازن حر، متفق على المصالح لا يقوم على الهيمنة والاستئثار واستعمار الأمم الأخرى.

للعرب دور، وفي مقدمته انجاز مهمة التحرر والتوحد والإسهام الخلاق في دفع العلاقات الإقليمية لإقامة نظام امن إقليمي وتفاعل اجتماعي اقتصادي ذو طابع إسلامي وعالمي تحرري بدءا من التفاعل مع الأمم الإسلامية وتوحيد جهدها وصولا إلى اتحاد يجاوز ما تعرفت عليه الإنسانية في النماذج القديمة والجديدة.

موجب العرب، والتزامهم أن يحرروا الأمم وهم ينجزون مهمة تحررهم وهذا ما هم فاعلوه اليوم، والمطلوب إدراك ما يجري للتعرف إلى الجديد فيه والتفاعل معه ووقف الاشتباك المفتعل بين ما هو عربي، وما هو إسلامي، وأي الأمتين أسبق على الثانية.                                        

(م ع)

 

المقالات تعبر عن آراء كاتبيها

المصدر: مجلة العرب والعولمة

جميع الحقوق محفوظة

 

البريد الإلكتروني