|
تقرير سياسي تأسيسي يتواصل بتقرير شهري حال الأمة -6- ظواهر تاريخية دالة ومؤسسة لمشروع نهضة راسخ وعصري
بعيدا عما اعتاده الكتاب والمنظرين، والمفكرين العرب، والذين يسمون أنفسهم بالمثقفين، وبعيدا عن تأثير الحملة الإعلامية النفسية، الإحباطية التي وظفت فيها إمكانات هائلة، وسخرت لها علوم، وابتكارات، واسهم فيها رهط من القوى العالمية والإقليمية والمحلية، بما فيها العربية، ونخب الإحباط والاستسلام والولاء للغرب. بعيدا عن قرن من التعبئة للتيئيس ، تشارك ويتشارك فيها الكثيرون، وينخرط بين الحقبة والأخرى قوى اجتماعية وسياسية جديدة من تلك التي كانت تتربع على قيادة الحركات الشعبية، أو على رصيفها ثم تنزاح عن الدور فترسم صورة قاتمة بدافع معاندتها للمتغيرات، ساعية ألا تخلي مكانها وتنتقل إلى جوقة النعي، والتطاول، والتشكيك بالعرب، وعقولهم، وإمكاناتهم، ومن المنقلبون أولائك الذين اعتادوا على دورا قياديا، أو تربعوا بحكم الأمر الواقع على قيادة قوى ومجموعات في حركة التحرر السابقة، فصاروا بعد أن تخلفوا وتقدم غيرهم ينعون الأمة، وينظرون للهزيمة فيسقطون هزيمتهم على الأمة، يتصرفون، على أنهم الأمة في قيادتها إن تراجعوا تراجعت، وان هزموا هزمت، ولم يفلحوا يوما بتسجيل انتصارات لها، والكثيرون يعزون حال التخلف العربية إلى العقل، والقيم، والتدين، والثقافة، ويذهب آخرون ابعد للقول انه إن لم يجري نسف عقول العرب، وتطهيرهم من تاريخهم وقيمهم فلا قيامة لهم أو مكانة تحت شمس الأمم، ويستخدمون صفات عنصرية كالاستهتار بعقول وقدرات أهل الخليج، ونعتهم برعاة الجمال و الدشاديش، وأكياس السواد وكأنهم ويل للأمة ورمز عجزها وتخلفها العقلي والاجتماعي. بعيدا عن كل تلك المقولات، التي اعتادها العقل العربي، واستسهل الانخراط بها وقبولها وكأنها مسلمات، لابد من توضيح الحقائق المعاشة بعد التعرف عليها بعقل بارد، وبتفعيل مناهج التفكير العملية والعلمية وقاعدتها الذهبية، التحليل الملموس للواقع الملموس، والابتعاد عن الذاتية، والأماني، وإسقاط الأوهام والأحلام وإحلالها محل الواقع ذاته وعناصره المحركة. بتفعيل قواعد التفكير العاقل، والبحث المنهجي وباعتماد أي من نظريات التحليل ومناهجه يمكن التثبت بالملوس، وبالمعاش من الأحداث، من حقيقة أن العرب كانوا امة ذات شأن وهم الآن امة ذات شأن وسيكونون، بل ربما يستدعيهم التاريخ، ومستلزمات تطوره وحاجاته الملحة، وقواعد فاعليته في هذه اللحظة بالذات للعب دور طالما اختصوه منذ عرف الإنسان الكتابة، والنطق، وبدأ يرسم أو يتذكر ويترك أثرا عن تاريخ وجوده على هذه البسيطة، وجميعها حالات نشأت أفضلها هنا في بيت العرب وبيئتهم ومحيطهم وتحت تأثيرهم. قدم العرب في القرن العشرين، ومع بداية القرن الواحد والعشرين، برغم أنه زمن قاتل مر عليهم، تكالبت فيه المصالح، والمؤامرات من كل حدب وصوب، وبرغم أن الحروب العدوانية، وفعل التدخلات الخارجية، والتجزئة، وفرض الهيمنة بالقوة الصلبة واللينة أصابتهم أكثر مما أصابت أية امة حاضرا أو ماضيا، برغم كل ذلك يمكن تلمس والتعرف إلى ما قدمه وأنجزه العرب، بدمهم ولحمهم، بعلقهم، ومعتقداتهم، وبأشكالهم ولباسهم، ظاهرات تاريخية، نوعية مؤسسة تفيد بحقيقة أن العرب شيء هام في تاريخ وحاضر الإنسانية وفي إنشاء مستقبلها بدءا من إعادة صياغة حضورهم، إلى استنهاض الإقليم، والإسهام في متغيرات البيئة والتوازنات الدولية. بعض من الظاهرات التاريخية المؤسسة: أولا: المقاومات العربية والإسلامية، التي يسجل لها أفعال، وتطورات، ومفاعيل حاسمة في موقعها ودورها نختصرها بالتالي: - وحدهم العرب، وخاصة عرب الشرق والشمال، صمدوا، وتحدوا، وواجهوا، وقاوموا ساعة سقط العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي تحت الهيمنة الأمريكية الإمبراطورية المتفردة، فمنذ مطلع تسعينات القرن الماضي، لا نقع عمليا على فعل مقاوم، وفعل ممانع، وفعل صمود وتمرد إلا في الشرق العربي ومثلثه الذهبي لصناعة التاريخ والحضارات، فوحدها بيروت ودمشق، قاتلت المشروع، وحالت دون تأثيرات انهيار الاتحاد السوفيتي برغم ما كان لها من علاقات متينة معه، وجابهت بثبات وصلابة ورؤية هادفة متغيرات عالمية وإقليمية وعربية زلزالية، فحرب إيران والعراق، ثم حرب عاصفة الصحراء، ثم سقوط بغداد، وسقوط بيروت، وقيام تحالف أول في همجيته وقدراته في تاريخ الإنسانية تجسد في تحالف أمريكا والاتحاد الأوروبي لاستهداف الشرق العربي أسقط بيروت لفرض الحصار القاتل على سورية من كل الجنبات وسعى للعبث باستقرارها من خلال استمالة بعض من رموزها وفاعلياتها، فاستهدفت سورية على هذا النحو العاصف لأنها كانت قد أسهمت نوعيا بوعي ودأب بإسقاط استراتجيات: الحصار، الاحتواء المزدوج، والتطبيع والهرولة، والشرق الأوسط الجديد، وثلمت القوة العسكرية التي كان الغرب يعتد بها والعرب والمسلمين يرتهبون منها، فانتزعت المقاومة اللبنانية أول وأثمن نصر واعزه في إلحاق الهزيمة بالعدو الصهيوني وإجباره على الانسحاب من لبنان دون قيد او شرط، فأسقطت احد عناصر قوة إسرائيل وأدواتها في تطويع العرب، بالاحتلال والتمسك بالأرض المحتلة إلى حين فرض شروطها كما فعلت في كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو لكنها عجزت في الجولان، وهزمت في لبنان . - المقاومة بما هي فعل واع شعبي مسلح صارت واقعا معاشا بعد أن كانت حلما، ثم نموذجا وقوة وازنة، على اثر تهاوي النظم، ومنها الراديكالية في نكسة 1967، وانهيار حركة التحرر القومي، التي تمت عملية احتوائها، وإغوائها، وإسقاطها تحت هيمنة حقبة النفط والساداتية، انتهت في نموذجها الأفصح منظمة التحرير في غزو 1982 وما تلاه من مفاوضات وأحداث، فخيل للبعض وللقوى الخارجية أنها نهاية مطاف الأمة، ولحظة إسقاطها تحت الهيمنة الأبدية، فصارت خطط التسويات، والتطبيع وترويج مبايعة إسرائيل وأمريكا كشريك، بل كمفوض مطلق لإدارة المنطقة، غير أن تاريخ المنطقة، وقيمها وعقائدها، وبنيتها وبيئتها، والمتغيرات، وفي أولها انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وسعيها الواعي لتجديد الإسلام، وفلسفته، ودوره، وشعاراتها التحريرية الوطنية" لاشرقية ولاغربية" وشعاراتها الاجتماعية" ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين" وتجديدها شعارات تحرير القدس، وبناء جيش القدس، واقتطاع نسب من موازنة إيران، ومن النذور والخمس والزكاة، والإفتاء بشرعية تقديمها للمقاومات، بل بوجوب ذلك، والسعي لاستعادة القضية الفلسطينية كقضية محورية عربية وإسلامية، وإنعاش ثقافة وشعارات العداء للغرب، ولأمريكا على أنها الشيطان الأكبر، لعبت دورا متعاظما، متقاطع مع ما لسورية من التزامات، ومصالح، ورؤية، وبنية اجتماعية، والتزامات قومية ووطنية، وما أنجزته من تجديد الفهم الثوري للتفاوض، وفي واقع الأزمة اللبنانية وخاصياتها، توفرت بيئة إطلاق الشرارات الأولى لخيار المقاومة، بمشاركة مختلف الأطياف، الوطنية والقومية والإسلامية مستفيدة من حاصل خبرة وتجربة منظمة التحريري المديدة، وما خلفته من ثقافة وسلاح، واستعداد موضوعي، فتحولت المقاومة من ظاهرة مطعون بقدراتها، وبمستقبلها، وبمشروعياتها التاريخية والوطنية والقومية رويدا رويدا وبثبات واع وأسطوري إلى نهج، فقوة حاكمة في التحولات فغدت إستراتيجية قومية وعالمية وقوة تفعيل وخيار ثابت بعد انتصار عام 2000 وما شكلته من قوة تحفيز، ونموذج يحتذى فكانت الانتفاضة الفلسطينية وتحولت إلى مقاومة شرسة، وصارت المقاومة العراقية العامود الثالث للقانون التاريخي المنتج العربي الاحدث، وفي كل ذلك شهادات تاريخية وواقعية راهنية النتائج، بان الأمة العربية امة مقاومة وصبر، وصمود، وكفاح مديد، فتحقق لها أن بدأت الاشتباك المباشر مع أعدائها بدون توسطات النخب، والنظم، التي استرخت وصارت جزء من أدوات المشروع الغربي لاستعباد العرب، وتخليفهم، فظفرت بانتصارات تتراكم وتزيد، وتقدمت مقاومات عربية ذات طابع وطبيعة جديدة في سماتها، ومعتقداتها، وطبيعة قيادتها، وبنيتها الاجتماعية, وطابعها الشبابي، ورؤيتها الحكيمة في إدارة الصراع، وفي امتلاكها لناصية العلم والتكنولوجيا، وفنون وعلوم الإدارة والتحكم، التي سخرتها وهزمت اعتى تكنولوجيا غربية، في الأعلام، وفي السلاح، وفي التمويه، وفي الاتصالات، والإدارة والتنظيم العسكري. تلك في حقيقتها العملية مقاومة عربية، ناسها عرب، والبيئات الاجتماعية الحاضنة بيئة عربية، وجلها من عرب الشمال، والشرق، كما جزء من مادتها وقيادتها من عرب الخليج، ومصر، وعرب إفريقيا السمر، " الصومال ودار فور" لا يعيبها ولا ينتقص من عروبتها أنها مسلمة العقيدة والحوافز توصف مرة بالشيعية والأخرى بالسنية والسلفية، والثالثة بالإرهابية، وتتكالب عليها الوسائل الإعلامية وأقلام المأجورين من الكتاب والمثقفين وفتاوي السلاطين، ويتجنى عليها حكام القطرية والهزيمة والتعاقد مع أعداء الأمة باتهامها بالمغامرة. ثانيا : نموذج سورية، بصمودها، وبممانعتها، وبتشكلها دولة حاضنة راعية للمقاومات وحامية لخيارها، وشرعيتها. قادرة على إدارة معركة متصلة قاسية، ثابتة على قيمها المبادئ، منفتحة على تحالفات وتعاقدات في خدمة مشروعها الوطني والقومي، سباقه إلى معرفة اتجاهات حركة التاريخ، غير آبهة أو مستكينة لما هو قائم من ميزان قوى كلاسيكي وتوازن مؤقت، لم تستعجل قط خيانة، أو تفريط" قال فيها شيخ مناضلي العالم كاسترو عندما زارها أنها لم ترفع راية بيضاء"وانتزعت قولا من البابا في زيارته الحج على طريق الرسل" بأنها شابة وستبقى بقيادة قائدها الشاب، وبأن لها شأن وموقع في مستقبل البشرية" أو تقديم تنازل بالمضمون يلامس قضايا الإجماع الوطني السوري والتزامات سورية القومية، لم يهتز لها جفن برغم عاصفة انهيار الاتحاد السوفيتي وتداعي حركات التحرر العالمية، وتركيز الجهد الامبريالي على الشرق العربي وفي القلب سورية لإخضاعها أو تغيير مسلكها أو إسقاطها وقد أفشلت كل تلك المؤامرات بثبات وعزيمة وقوة وقدرة إبداعية على إدارة المعركة والاستثمار بالمتغيرات والتناقضات الدولية والإقليمية والمحلية. سورية بالإضافة إلى نموذجها الممانع، ثم اعتمادها خيار المقاومة كإستراتيجية هجومية في سياق إستراتيجية عليا دفاعية، حافظت على خاصياتها، ونظامها بطابعه الاجتماعي برغم سيادة عاصفة الليبرالية الاقتصادية التي أطاحت بنظم وتشكيلات دولية، وإقليمية، وقررت اقتصاد السوق الاجتماعي، وحفظت مكاسب حركتها الشعبية، ولم تفرط بها بل سعت جادة لتوسيع التقديمات، في نموذج يسجل لها على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي وبرغم الحملة والترهيب والاستهداف، والحصار بمشاركة نظم عربية وإسلامية وعالمية نجحت في إطلاق بنية اقتصادية نامية واعدة على عكس ما كان يفترضه الاقتصاديون ويتمناه الأعداء والمنقلبون. وهي تبني وتواجه وتصمد وتحمي المقاومات، ظفرت في الانفتاح الخلاق على تركيا واستثمرت وأسهمت في متغيراتها النوعية، وكانت قد تعاقدت استراتيجيا مع الثورة الإسلامية الإيرانية من يومها الأول، ونجحت في الرهان وكسبته على روسيا التي عادت إلى دور محوري، كما في العلاقة المتقدمة مع الصين واسيا، وتعميقها مع أمريكا اللاتينية وماليزيا. يمكن بحزم القول: أن سورية خلال العقود الأربعة الماضية خاصة في العشر الأخيرة من سنواتها شكلت ظاهرة عربية تاريخية القيمة، ونوعية الأداء يعتد بها، وهي بكل الأحوال ليست عربية فحسب بل قلب العروبة النابض كما وصفها قادة الحركة القومية العربية الأفذاذ وفي مقدمهم القائد الخالد جمال عبد الناصر. لما هي عليه سورية الآن، قيمة إضافية لجهة القدرة على المساهمة في إطلاق وحمل مشروع قومي عربي عصري، عقلاني راسخ يستمد وعيه ورسوخه من حقيقة رسوخ سورية على قيمها وبنيتها، والتزاماتها ومنها فكر حزبها القائد، وعقيدته، وطبيعته، وعلمانيته المؤمنة. ثالثا: قطر، وجزيرتها الإعلامية. قطر إمارة، تبلغ مساحتها عشرة ألاف كلم مربع، وعدد سكانها لا يجاوزون 300 ألف نسمة، صحراوية، معزولة، ومحاطة بالسعودية الطامحة دائما بإلحاقها لما فيها من ثروة غاز. سكان قطر عرب خليجيون، قيل فيهم أنهم الأكثر تخلفا، على تعميميات سكان السعودية. العقلية الخليجية ذاتها التي يذمها البعض، أبدعت، فعرفت وسائط ووسائل الهيمنة والحضور الواسع، فانتزعت في تجربتها النوعية الأولى والفريدة عبر إطلاق قناة الجزيرة مكانة وحضورا في عالم الاتصالات والإعلام فصارت على مستوى عال من الدبلوماسية، والحضور السياسي جاوز بعشرات آلاف المرات أهميتها الجغرافية والسكانية، وثرواتها من الغاز، بالمقارنة مع غيرها الذي يملك أكثر ومازال في طي النسيان. تعرف العالم والعرب إلى قطر على أنها دولة محطة الجزيرة، ولولا الجزيرة لكانت زاوية صحراوية منسية. في نموذج قطر نتحدث عن قدرة العربي، والخليجي في فهم، وهضم، واستخدام التكنولوجيا، وعلومها، والاتصالات وفنون الإعلام ومبادئه على نحو تحدى اكبر وأقوى دول العالم وأكثرها بذخا وعلما ولتكنولوجيا إعلام واتصال، وصارت الجزيرة تنافس ال CNN وشقيقاتها، وتنوعت محطاتها واهتماماتها، وهيمنت على الرأي العالم العربي والإسلامي وأثرت في الرأي العام العالمي، وتشكلت عنصرا نوعيا في كشف وتحدي الهيمنة الغربية، وفي كشف زيف دعواتها وكشفت عورات نظم الغرب، وعدوانيته ما دفع بإدارة بوش أثناء حرب العراق لوضع خطط قصفها واعتبارها عدوا خطرا. في تجربة قطر الإعلامية حقائق ونتائج نوعية لابد من رصدها والتعامل معها على أنها ظاهرة عربية خالصة تدلل على قدرة العرب على التعامل مع معطيات العصر وتقنياته وعلومه، وفيها دلالات تصفع أولائك المتطاولون على العرب، الذين يفترضون أن عقولهم عاجزة، وأنها متحجرة، وان عقيدتهم قيد على تطورهم ومواكبتهم لنتاجات العصر، فكمثل قطر هناك دول عربية وعالمية إسلامية وغير إسلامية امتلكت الثروات والنفوذ، والقدرات البشرية، لكنها فرطت بها ولم توظفها توظيفا مجديا، بل قدمتها هدية مجانية للمشروعات الأمريكية والغربية لاستعباد العرب، وإبقائهم في ربقة التخلف وقدمتها في حروب الغرب على الاتحاد السوفيتي وحركات التحرر العالمية، والقول الفصل أن في العرب، عموما، وعرب الخليج خصوصا النوعان، المبدع والقادر على الإبداع، والساعي للتحرر، ومنهم التابع والمعطل العقل، المفرط بإمكانات وثروات العرب بدون طائل أو مصلحة عربية، ولا يستوي الصنفان.
رابعا: دبي ومعجزتها الاقتصادية: تجربة خليجية رائدة، فدبي أفقر مشيخات وإمارات الخليج لجهة الثروة النفطية والغاز، وعدد السكان. وهي على حالها، ولا يميزها موقعها الجغرافي، ولا مناخها، نجحت في ابتداع تجربة رائدة وعصرية، متقدمة في الكثير من المجالات ليس على العرب، والعالم الثالث، وبعض العالم الأول بل وفي قطاعات اقتصادية رائدة، باتت تضاهي وتنافس أقوى المواقع الرأسمالية التاريخية، فجاوزت أمريكا وشركاتها العملاقة في إدارة المرافئ وتقدمت لشراء إدارة مرافئها، وجاوزت ول ستريت في لندن في الحركة المصرفية والمالية وتقدمت لشراء كبريات بورصات واشنطن، وأطلقت ديناميات لتدخل الإنسان الواعي والهادف في الاستثمار بالطبيعة ولو كانت جرداء وقاسية جاوزت كثيرا ما كان في علم الافتراض، والتخيل، فنجحت في بيع صيف دبي حيث درجة الحرارة تجاوز ال56 درجة، واستقطبت ملايين السياح في بلد لا سياحة تراثية أو ثقافية فيه، ولا اصطياف، ولا طبيعة خلابة ومناخ معتدل، وتحولت إلى مركز صناعي متقدم قادر على تخديم المنطقة وجزء من آسيا،" جبل علي" وصارت تصدر المياه المعلبة للبنان وسورية وهما بلد المياه، وتصدر العصائر لبلدان الإنتاج الزراعي الوافر، وتحولت إلى منصة إعلامية تستقطب الكفاءات والفضائيات، وتتقدم اليوم بثبات وإصرار إلى عالم اقتصاد المعرفة، وقد قرر شيخها وأميرها أن يرصد عشرة مليارات دولار لاستقطاب العلماء والخبراء، والمميزون العرب من كل ارض في الدنيا كي لا يبقوا هباء منثورا. دبي، وسكانها، وقادتها، عرب، وخليجيون، ويرتدون الدشداشة، ونسائها يرتدن الخمار، والجلباب الأسود. ما لذي وفر لها كل هذه المكانة؟ ونحن نتحدث عنها لسنا مخدوعون بطبيعة اقتصادها الرأسمالي والليبرالي، والمعولم، والمسيطر عليه من قبل الشركاء الكبرى، تهدده أية اضطرابات أمنية أو تحديات سياسية" على العموم كل نموذج يقوم على الاقتصاد الريعي مهدد في أية لحظة" . لكن بحثنا في مكان آخر، وردا على ترهات من نوع مختلف يطاول العقل وعقيدته والشكل العربي، ولباسه. الذين يعرفون دبي، واطلعوا لماما على تجربتها، والذين قرؤوا كتاب أميرها الشيخ راشد بن مكتوم، يمكنهم وضع يدهم على الأساس، والدوافع لهذه المعجزة بحق. انه الإنسان، الملتزم، العاقل، الهادف، المؤمن بأمته وبشعبه، وبقدرات شبابه، العصري في التعامل مع العلم والعلوم الإدارية، والعارف بخاصيات منطقته وبلده، والساعي بحكمة، وخطة منهجية رؤيوية يجاهر بها ولا يخجل ممن يتطاول على التخطيط المركزي، ودور البشر، والإرادة " ننصح بقراءة كتاب راشد بن مكتوم، رؤيتي التحدي في التجاوز" فهو شارح جيد للتجربة على كل الأصعدة. في تجربة دبي خلاصة ذهبية، أنها الإرادة والوعي، والتصميم، والعقل العربي المبدع، والقادر على هضم علوم العصر والتعامل معها بتقانة وإبداع منقطع وهي الشهادة الواقعية المعاشة لمن لا يصدق أو يشكك. خامسا: الأمير سليل ال سعود الوليد بن طلال وثروته. اخترناه من أمراء السعودية قصدا، للتثبيت من حقيقة أن ليس كل الأمراء سواسية، ولا كل من يحمل هوية وسحنة عربية هو عربي قح، صفاته السلبية تكون صفات واسمه للعرب والعروبة. الوليد بحسب روايته، في كتابه، تجربتي، " ننصح بالاطلاع عليه ففيه فائدة كبيرة" يروي قصته، ويكشف عن الأسباب، والخاصيات، والدوافع، والقدرات التي منحته الموقع المميز الذي هو عليه اليوم بصفته واحدا من أكثر أثرياء العالم شهرة وأقدرهم ماليا، وأكثرهم هجومية ومغامرة في الاستثمارات الصعبة وفي المنطقة العربية وفي الساحات الأكثر خطرا، أو التي تقع تحت الحصار كسورية. قصة الوليد، وهو واحد من 5 ألاف أمير سعودي مختلفة، فهو الأقل حضوه بين أترابه بسبب موقع والده والتزاماته القومية الناصرية السابقة التي أدت إلى عزله من العائلة وحرمانه من مكاسبها المالية والنفطية، وبعض من خاصياته انه مختلط النسب بين الشام والحجاز، ومع النسب المختلط والانفتاح السياسي للبيت اختلط الوعي والمعرفة وكسب من بيروت التي نام في وتعلم في مدارسها، ثم درس في الولايات المتحدة الأمريكية، وعاد ليبدأ مشواره بمائة ألف ريال كان أي من الأمراء يستطيع أن يبدأ بمائة مليون ريال، وبعضهم كانت حصته أكثر فأنفقها على البذخ والسهر، والهرج. الوليد، خطط، وقرر، وصمم، فاستفاد من مكانته الأميرية، ونجح في ركوب الأهوال، وغامر واختار أن يصطاد المؤسسات والمشاريع المتعثرة والمأزومة في الوقت والفرصة المناسبة فصار من كبار المستثمرين في العالم. نسوق المثل، الظاهرة، لنؤكد أنها عربية، وخليجية، ولنجزم بان العقل، العربي، وعقائده وتقاليده، والصحراء وثيابها وعادت أهلها ليست عيبا وليست قيدا في أي حال، ونعرف مسبقا بأن نموذج الوليد صدفي، في بيئته، غير الموفورة لعامة السعوديين والخليجيين فكيف بالحري العرب والمسلمين، لكنها ظاهرة ونوعية تتقدم باعتبارها عربية خالصة، تصفع من يقول أو يفترض بأن العرب عاجزون لأنهم عرب فحسب. سادسا: العلماء والخبراء العرب، في العالم والتجربة العراقية الفذة. شكل العراق في حقبة سبقت تورطه في حرب الخليج الأولى، ظاهرة نوعية على كل صعيد عربية خالصة العروبة، والالتزام، ومن بين العناصر الأهم والأكثر دلالة العراق العلمي. نجح العراق تخطيط مسبق الإعداد، في استقطاب الكثير من العقول العربية، واحتضنها، وسدد لها الاكلاف وعاملها بقيمتها الثمينة وبأفضل ما كانته في الغرب وبنى الجامعات وأرسل البعثات، وبلغ درجة عملية متقدمة في الكثير من العلوم، جعلت الرئيس الشهيد صدام حسين في لحظة نشوة أن يعلن بلوغ العراقيين مستوى تصنيع السلاح النووي وكان يستعد له في بناء مفاعل تموز الذي دمرته الطائرات الإسرائيلية التي استخدمت المطارات والأجواء العربية بظل صمت وتأمر على الانجاز العراقي. برغم الأخطاء التي ارتكبت، وما آل إليه وضع العراق بعد غزو الكويت، غير أن العقل العراقي العلمي وما أنتجه من نخبة خبراء وعلماء أخافت الغرب أكثر من السلاح النووي، وغدت الهدف المحوري لمفتشي الأمم المتحدة، وللاستراتيجيات الأمريكية" تصحير العقل العراقي" وتحول العلماء والضباط الكبار، والخبراء، الهدف المباشر للموساد بعد احتلال العراق لتجريد العراق من هذه الثروة الهائلة التأثير. في التجربة العراقية لهذه الزاوية، وبعيدا عن توصيفات السياسة العراقية، تمثل شهادة، وتجربة رائدة، ودليل عملي على قدرة العرب، واستطاعتهم على ركوب حصان العلم والتقدم والعصرنة، والإبداع ، لا يغير من هذه الحقيقة المدركة أخطاء السياسية ومغامرات السياسيين، وفيها شهادة للعرب من الشرق والشمال بعد شهادات الخليج. أما القول بأن العراق نجح بسبب وجود الثروة النفطية فالرد حاضر، ولماذا لم تنجح أو تسعى السعودية والجزائر وليبيا وفيها من الثروات أكثر مما في العراق، ويكون الجواب، الالتزام القومي، والسعي للتحرر، والعصرنة، فليست بأي حال الإمكانات المادية أو البشرية فهي موفورة حتى لمصر وسورية وما يجري تبديده على يد المافيات، والهدر والفساد لو جرى ضبطه لأمن المراكز والمحفزات لاستقطاب كل علماء وخبراء العرب ولكانت تلك الدول ومثيلاتها أعدت ما تستطيع المفاخرة فيه وتصديره إلى الأصقاع من علوم، واختراعات، وعلماء وإبداعات وهذه تجربة ماليزيا، وفي الواقع العالمي أكثر من مليون ومايتا ألف خبير وعالم عربي يحتلون مراكز متقدمة في منصات العلم والاختراعات والأسلحة، والاكتشافات فالعرب ليسوا قاصرين في عقولهم أو قدراتهم بل القاصر الصيغ السياسية السائدة بطبيعتها والتزاماتها وارتهانها. مؤشرات تكشف عن حاجات ضاغطة لعمل عربي مشترك: 1- في الثقافة، والفن، والفضائيات العربية: يلفتنا أن تطلق من فضاء قناة الLBC اللبنانية ذات الاتجاه الانعزالي التغريبي المهتمة ببرامجها تمسيخ العرب، زيا، وعقلا، أن يخرج منها وعلى لسان مديرها العام بيير الظاهر الدعوة إلى العوربة في مواجهة العولمة. على أن القناة واحدة من الشهادات على قدرات العرب وعقولهم، ويعني كثيرا أن تأتي دعوة العوربة منها وهي بيئة الانعزال، وفيها دلالة على أن شيئا يتقدم في التاريخ وقوانينه وحاجاته وفي حاجات المؤسسات العلامة العربية ذاتها ما يحفزها على التعريب وان كانت متغربة تمويلا ولهجة، واتجاها، فالفضائيات في طبيعتها تحتاج إلى جمهور عربي، ليؤمن لها قاعدة مشاهدين تؤمن بدورها مصدرا للإعلان والتمويل، وتلك حاجة ماسة، ما حفزها جميعا وقد انجرت الأخريات إلى الخطاب العربي، والى البرنامج العربي، والى مشاركة العرب في برامجها الفنية، والترفيهية، والتسالي ناهيك عن التغطية الإعلامية للحدث العربي أينما كان فقد سدت منافذ قدرة وسائل إعلامية محلية انعزالية على البقاء في الفضاء وتلبية احتياجاتها الإعلانية والتمويلة، وبهذا تتقدم ظاهرة مؤسسة نوعية تفيد بضرورة أن يتعورب العرب في وجه العولمة وفي الأول الثقافة والفن والإعلام كقوة صانعة ورائدة لثقافة العوربة. 2- رجال الأعمال، وأصحاب الأموال، والصناعيين، والمزارعين، وأصحاب المهن العرب. لا تقع على مؤتمر بوثائقه وقد صارت كثيرة جدا، ومتنوعة وشاملة، ولا تقع على مطلب لأصحاب المصالح خاصة من ممثلي القطاعات الإنتاجية العربية، والقطاعات المهنية إلا وتجد دعوة لتحرير التنقل، والمطالبة ببطاقة سفر موحدة لرجال الأعمال والمهنيين، والفنانين، والمطالبة بفتح السوق، وتأمين حماية للسوق العربية في وجه هيمنة المنتجات الغربية التي تقفل أسواقها واستثماراتها أمام الرأسمال والخبرة واليد العاملة والمنتجات العربية وتجربة مرافئ دبي خير دليل محفز. فالظاهرة: أن حكم التاريخ، وهذه المرة حكم المصالح المباشرة للقوى الاقتصادية والمهنية، والحاجات الماسة باتت تضغط إلى جانب إقفال الأسواق العالمية أمام العرب لأنهم عرب ومسلمين مرة، ولان الدول الرأسمالية تريد الانفتاح والعولمة لصالحها هي وتحد من صادرات الدول النامية، من المنتجات ومن اليد العاملة إليها، وبسبب الفورة النفطية ووجود رأسمال عربي فائض عائم يبحث عن مجالات للتوظيف أشبعت مجالاته في أوروبا، وأمريكا، ويجري مزاحمة الرأسمال العربي في أقطاره العاجزة والقاصرة عن استيعابه، بات يسعى ويلح بطلب سو |