زواريب التيه

يشعر معظم اللبنانيين بالضياع. إنهم تائهون في زواريب السياسات التي تتبع إتجاهات طائفية ومذهبية، وتعمل لإعادة تقاسم السلطة بين الطوائف الكبرى. تتصارع القوى السياسية الطائفية حول صلاحيات رئاسة الجمهورية المارونية، ورئاسة الوزراء السنية، ورئاسة مجلس النواب الشيعية. من يأتي برئيس للجمهورية؟ هل أكثرية الموارنة، أم أكثرية النواب المنتخبين على أسس طائفية؟ مَن مِن النواب يمثل طائفته، ومن يمثل إرادة طوائف أخرى؟ هل يتم إنتخاب رئيس الجمهورية بأكثرية الثلثين أم بالأكثرية المطلقة؟ هل النظام اللبناني ديمقراطي حقا أم ديمقراطي شكلا تحت شعار الديمقراطية التوافقية؟ هل تقف الديمقراطية خاشعة على أبواب الطوائف والمذاهب الآسرة للجماهير، أم أنها قادرة على تحرير هذه الجماهير ودفعها لإصطفافات جديدة حسب مصالحها الحقيقية والإقتصادية والإجتماعية؟ من هو الأهم، الدستور أم الأعراف والتقاليد؟ هل نحن مع إتفاقات الطائف بكل بنوده، أم ضده، أم معه بكثير من التحفظات؟ كل هذه الأسئلة وغيرها الكثير مواضيع خلاف دائم، تتبدل من حولها التحالفات ويصطرع القادة ومن ورائهم الأتباع في نقاشات صاخبة تصم الآذان وتستنفذ القوى ولا تصل إلى نتائج. بل ربما لم يكن الهدف أصلا من وراء النقاشات الوصول إلى نتائج، بل تدويخ الجماهير في زواريب السياسات الضيقة المسدودة الأفق.

ربما كان التيه في زواريب السياسات الضيقة مقصوداً، لتفادي البحث والنقاش في القضايا الأساسية التي لا يتم البحث بها، ويتم إغراقها في وحول الصراعات المذهبية التي تمتص معظم اللبنانيين، وتعميهم عن رؤية المصالح الوطنية العليا، أي مصالحهم الحقيقية الآنية والبعيدة المدى.

هناك أسئلة ملحة تطرحها تطورات الداخل والمحيط والعالم. بعض هذه الأسئلة يتعلق بمصير البلد: هل هو وطن نهائي حقا، أم أنه مؤقت؟ هذا الكيان الذي تم إنشاؤه في بداية العشرينات على يد الإستعمار الفرنسي في أوج مرحلة التمدد الإستعماري، ولدور سياسي إقتصادي معلوم، هل فقد دوره وجدواه مع متغيرات المحيط والنظام العالمي، أم أنه قادر على تجديد دوره؟ هل دخول النظام في أزمة وجود متعددة الأوجه منذ منتصف السبعينات حتى اليوم قضية عابرة؟ منذ منتصف السبعينيات، شهد لبنان إجتياحات إسرائيلية متعددة، وإنزالات لحلف الأطلسي، وتدخلات عسكرية عربية متكررة أنتجت وصاية سورية لحفظ أمنه وإعادة توحيده. هل كل هذه الأحداث المترابطة دليل فرادة أم دليل هشاشة وتصدع؟

وفي زمن تسود فيه التكتلات السياسية والإقتصادية الكبرى المتعدية للقوميات، هل هناك فسحة حياة لكيانات ما دون القومية للعيش خارج إطار التبعية والهيمنة الإمبريالية، التي تعمق تقسيم العمل الدولي، هذا التقسيم الذي ولد، منذ عهود السيطرة الإستعمارية، ثنائية التقدم والتخلف؟ هل التمسك بفكر ميشال شيحا ما زال ممكنا؟

هل المأزق الإقتصادي الإجتماعي المتفاقم في لبنان هو نتاج الأحداث السياسية والأمنية، أم أنه أحد أسبابها؟ حتى بعد إستتباب الأمن وإعادة توحيد شظايا لبنان، وبعد تدفق الإستثمارات والتوظيفات، وبعد خطط التنمية التي وضعها البنك الدولي بمشاركة مجلس الإنماء والإعمار، وجدنا لبنان وقد غرق في فخ المديونية دون أن يحقق التنمية أو النمو. فقد وصلت نسبة الدين العام للناتج المقدر إلى أعلى نسبة في العالم. ووصلت نسبة الهجرة إلى أعلى نسبة في العالم قياسا إلى سكانه، ونسبة إنهيار الدخل الحقيقي لمعظم بنيه وتساقطهم إلى ما دون خط الفقر إلى أعلى نسبة في الشرق الأوسط بعد العراق وغزة. فقد تراكمت الثروة في أيادي قليلة، وعمّ البؤس والفقر أكثرية بنيه. في سنة 2002 كان 0.005 من المعيلين يملكون 40% من مجمل الودائع لدى المصارف. كان أقل من 190 مودعا يبلغ معدل ودائع الواحد منهم أكثر من 128 مليار ليرة لبنانية في البنوك اللبنانية فقط، دون ودائعهم في الخارج. هذه الثروات لم تسقط عليهم من السماء، بل تراكمت بفضل علاقات إنتاج ظالمة وسياسات إقتصادية وإجتماعية ظالمة. إن أكثر من 80% من اللبنانيين سقطوا تحت خط الفقر، إذا احتسبنا خط الفقر بـ60% من معدل الدخل الفردي، كما يتم احتسابه في بريطانيا. وإذا احتسبنا الفقر المدقع عند ثلث خط الفقر، أي عند دخل يبلغ ما دون 717 ألف ليرة للعائلة المؤلفة من خمسة أفراد في الشهر، فكم عدد العائلات التي تقبع تحت خط الفقر المدقع، أي الذين يعيشون دون الكفاف؟

ويبقى همّ استكمال تحرير الأرض الغائب عن إهتمام الطبقة الحاكمة. ويبرز همّ هذه الطبقة في إسقاط السلاح الذي حرر الأرض وحمى الوطن. وحتى في وجه الإحتلال الصهيوني تغيب الوحدة الوطنية، وكذلك في وجه الإستتباع الأميركي وحكم المندوب السامي الأميركي.

يطالبون بالوحدة الوطنية لإنتخاب رئيس للجمهورية، وبالوحدة الوطنية لتأليف حكومة تأكلها التناقضات حول القضايا الجوهرية. ينادون بالوحدة الوطنية حول مؤتمر "باريس 3" وبرامجه الكارثية، ينادون بالوحدة الوطنية حول الجيش و"انتصاراته" في نهر البارد في الوقت الذي تنعدم فيه الوحدة الوطنية في وجه الهجمة الإمبريالية الصهيونية الشاملة، وتغيب فيه كليا القضايا الإقتصادية والإجتماعية، قضايا الفقر والبطالة والهجرة، وجنوح معظم الجماهير إلى اليأس والإحباط.

لماذا لا ترفع قوى المعارضة صوتها دفاعا عن مصالح أوسع الجماهير؟ لماذا لا تطرق الجماهير التي يطحنها الفقر بقبضاتها أبواب وعقول القوى السياسية؟ لماذا تسكت المقاومة ذات القواعد الجماهيرية والشعبية عن السياسات الإقتصادية والإجتماعية للطبقة الحاكمة، وتعمل لتحصيل حقوق الشعب المسروقة والمهدورة؟ لماذا لا تبدل المقاومة تحالفاتها الطائفية والمذهبية الهشة والمتقلبة، بتحالفات إجتماعية وطبقية عابرة للطوائف، تمكن المقاومة من الإرتقاء إلى حركة تحرير وطنية، فتوحد قوى التحرر والمقاومة في جبهة وطنية ذات برنامج سياسي وإقتصادي وإجتماعي وتحريري، ينتشل لبنان من الهيمنة الإمبريالية الشاملة ويضعه على طريق التطور والتنمية المستدامة، وتعيد غرسه في محيطه العربي الإسلامي، في قلب قوى التغيير الشامل فيه؟ لماذا؟ لماذا؟... أما مِن جواب؟

العرب والعولمة

عين كسور في 1-12-2007

 

المقالات تعبر عن آراء كاتبيها

المصدر: مجلة العرب والعولمة

جميع الحقوق محفوظة

 

البريد الإلكتروني