حال الأمة (7)

القوى التاريخية، والشروط الموضوعية المؤاتية

لاستعادة المشروع القومي وعصرنته

في الحراك التاريخي، وفي الحقبة، وفي سمات العصر، وفي المعطيات المادية التي تغيرت، والمتغيرة بدأب ونشاط كثيف، يتقرر من جديد حقيقة أن العرب لا بد سائرون إلى قرارهم. وامتلاك هذا القرار مشروط بتحررهم، وبتقدمهم بخطى ثابتة، مدركة وواعية باتجاه وحدتهم القومية عبر إقامة دولتهم الوطنية، أسوة بما بلغته الأمم الأخرى التي تقف على عتبة مجاوزتها الحقبة القومية إلى حقبة ما فوق قومية بإقامة اتحادات قارية، أو منظومات أسواق واسعة تتجاوز الحدود القارية، متفاعلة مع عالمية الاقتصاد والاجتماع والثقافة والسياسة، والعلوم وفروعها المتقدمة. ومن ذلك ظهور إرهاصات ومؤشرات عن سياق تاريخي حاكم، وسمات لعصر جديد، تبدأه الألفية الثالثة متجهة إلى عالمية الإدارة والأنشطة والبيئات الاقتصادية والاجتماع الإنساني، فارضة سمات جديدة لآليات وأطر تفاعل البشر لمعالجة اهتماماتهم وحاجاتهم المشتركة كعنصر متفق على التعامل مع الطبيعة، لما فيه خير الجميع، ووقف التطاول والتفرد والهيمنة، وتبديد التمركز في عناصر القوة "الاقتصادية والعسكرية" وأدوات الفرض القسرية.

العالم تغير ويتغير. والإقليم دخل مرحلة مخاض قاسية، والبيئة والتوازنات ومسارات خطوط موازين القوى تتبدل صعودا وهبوطا فيما العرب تشكلوا خلال العقود الماضية، خصوصاً العقدين الأخيرين، عنصرا حاسما وحاكما في تلك المتغيرات كواحد من بين أسبابها وعواملها الفاعلة.

ويمكن تلمس تأثير المتغيرات والموقع والدور والتبدلات في قواعد تشكيل موازين القوى والفاعلية، بصورة واقعية وعملية وعبر المؤشرات والأحداث الحاصلة والجارية، وبدلالات الوقائع المعاشة راهناً... لتفيد جميعها بأن مرحلة تاريخية جديدة مختلفة جوهريا عما كان لقرن ونيف دنت، وتفترض وعيا وإدراكا لعناصرها المختلفة، لتجري عملية توظيفها الواعي في صالح استعادة وإطلاق مشروع قومي عربي تحريري ونهضوي وعصري، تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات وهضمها والتفاعل الخلاق معها وفي تأثيراتها.

ولا بد، لمعالجة ما هو حاصل وما هو جارٍ، من التخلص من المسبقات والإسقاطات والمسلمات العتيقة، ولا بد في ذات السياق من تحرير المقاربات من الخطابية والرؤية والنزعات الأخلاقية والنرجسية.

بناء على ما تقدم يمكن رصد متغيرات ذات طابع نوعي تحفز على استعادة المشروع القومي النهضوي، وإعادة صياغته خطاباً وشعاراتٍ وأهدافاً والياتٍ، بما في ذلك الخطط والسياسات، وحاصلا المهمات المباشرة وذات الطابع الاستراتيجي.

المتغيرات العالمية وجهة فعلها

جرت في الحال العالمية متغيرات نوعية متسارعة بكل اتجاه، على اثر سقوط الاتحاد السوفييتي وما أدى إليه من انقلابات زلزالية جاءت بمجملها في صالح تعويم المشروع الامبريالي والرأسمال الليبرالي، وتفويضه القبض على العالم وحراكه، وإقامة ما سمي بالنظام العالمي الأحادي القطبية، والسيطرة المتفردة للولايات المتحدة الأمريكية. في حين يمكن الإمساك بالكثير من الحقائق والوقائع والتطورات التي تفيد الآن أن تلك الحقبة قد انتهت بعد أن بلغت ذروتها، وبدأت رحلة الهبوط السريع وغير الآمن، ما يفتح العالم على مرحلة عاصفة في أحداثها، وزلزالية في متغيراتها أوسع أثراً وأعمق حراكا مما تركه انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومته وأحلافه.

المتغيرات ذات الطابع الاستراتيجي وتأثيراتها على العرب وواقعهم ومشروعهم القومي

1-     استنفذت الليبرالية قدراتها، وتبددت موجتها الصاعدة، فبدأت تنتج متغيرات عالمية في غير صالح الهيمنة الأمريكية الامبريالية وأدواتها، وأول المعطيات انحسار السيطرة الأمريكية على الشرق الأوسط ودخولها مرحلة الأفول والهزيمة المحققة.

2-     استنفذت على نحو عاصف الهيمنة الأمريكية على العالم ومؤسساته وإدارته، بعد أن نجحت النخبة الإمبراطورية الحاكمة في واشنطن في استعداء العالم شعوبا وكتلاً فاعلة، واستفزازها بإشعال الحروب الثقافية والقيمية والعقيدية والعنصرية، وصولا إلى استنفاذ القدرة على استخدام القوة العسكرية، تهويلا أو اشتباكا بنتيجة انهيار القوة العسكرية الأمريكية والأطلسية في أفغانستان باكستان والعراق ولبنان وفلسطين والصومال، وفي الحرب العالمية على الإرهاب والإسلام، وحجم النزف الاقتصادي والقيمي التي تعاني منه، وقد بلغت كلفة الحروب ما يجاوز 3.5 تريليون دولار كلفة مباشرة وغير مباشرة، تحولت إلى قيد على المزيد من المغامرات، وأطلقت مفاعيل أزمة هيكلية بنيوية في الاقتصاد الرأسمالي في حقبته الامبريالية النيوليبرالية.

3-     اهتزت بعنف وتقلصت فاعلية وقدرة قوى وأدوات السيطرة الأمريكية الامبريالية على العالم، وبدأت الانحسار لصالح ولادة عناصر أخرى في طور التكوين. فصندوق النقد الدولي يفقد الهيمنة والقدرة، والعولمة الاقتصادية بما هي الطريق لأمركة العالم بدأت تنحسر، ومنظمة التجارة العالمية وسطوتها وقوانينها تضعف، وتقوم حاجة في أمريكا نفسها وفي أوروبا لتغيير قواعدها ومنظوماتها الانفتاحية سعيا وراء إغلاق الأسواق لحمايتها من تأثيرات ونمو أسواق الجنوب واحتلالها دورا محوريا في الحركة الاقتصادية العالمية. وبدأ "إجماع واشنطن" وأدواته يضعف بسرعة قياسية، ويزيد من عدم فاعليته انهيار سعر الدولار الأمريكي واهتزاز موقعه كعملة عالمية مسيطرة، مع ما يحمله ذلك من متغيرات هيكلية على الاقتصاد العالمي ومستقبل الاقتصاد الأمريكي.

4-     بدأت قبضة واشنطن على الأمم المتحدة، ومؤسساتها تنحسر بعد أن أفقدتها دورها وفاعليتها بسبب الهيمنة السافرة للإدارة الأمريكية عليها والتعامل معها كأنها مجرد استطالة زائدة تحت سيطرة البنتاغون والخارجية الامريكية، بما في ذلك تملص وتخلص روسيا من القيود، ومن الاتفاقات العسكرية التي كانت قد ألتزمتها في حقبة الانهيار، وتصاعد الحضور الصيني فيها وعلى هامشها من مؤسسات نشأت في حقبة الامركة.

5-     الحراك الشعبي العالمي الذي تأسس في رفض العولمة بما هي أمركة وليبرالية، في ظاهرة مقاومة العولمة، وإسقاط الفرنسيين للدستور الاتحادي بسبب ليبراليته، تقدم بخطوات ملموسة، وغدا قوة مؤسسة في التحولات والمتغيرات، وصار الرأي العالم العالمي قوة وازنة أعادت الحياة لمقولة حقوق ودور الشعوب، وقد تجسد عمليا في انجازات هامة وتاريخية، في إسقاط إدارات الحرب واللبرلة في اسبانيا وايطاليا وبريطانيا، وفي تحرير أمريكا اللاتينية والكاريبي وجنوحها إلى دور ريادي في تخليص البشرية من شرور الإمبراطورية الليبرالية وفي فتح آفاق تاريخية جديد مستقبلية على تفاعلات واعية ومصلحية بين الشعوب والأمم بدءا بالسعي لإقامة الاتحاد البوليفاري، إلى إنشاء بنك الجنوب، والتعاون الجدي مع الأمم المقاومة فيما بين فنزويلا وإيران وسورية، وتبني البوليفارية لسياسات وأنشطة اقتصادية ذات طابع اجتماعي تحرري، وجنوح الاستراتيجيين في العلوم الاقتصادية للبحث عن خيار مختلف عن اشتراكية نوفوستي وتجربة الاتحاد السوفييتي والتخلص من عبء الليبرالية وسياساتها المدمرة.

6-     آسيا تستعيد دورها بثبات وتقدم مضطرد بصفتها قلب العالم وعماده الاقتصادي والإنتاجي، فتتقدم خطوات ملموسة في تسلق دور عالمي وازن وفي تشكيل قطب صاعد بوتيرة صاروخية مع شنغهاي وحجم النمو المستدام في الاقتصادين الصيني والهندي وعودة الاقتصاد الروسي للنمو، ونمو الاقتصاد التركي. وتحتل أسيا دورا محوريا في إعادة تشكل العالم وقواه وثقافاته وآليات التفاعل المصلحي بين الأمم والقارات والشعوب كبديل عن الهيمنة والعدوانية واللصوصية التي ميزت سياسات الغرب في القرنين المنصرمين كقوة قائدة عالميا والمهيمنة عبر سياسات عنصرية وحروب الإبادة الجماعية والجشع الاقتصادي.

7-     فشل القوة العسكرية، برغم احتكارها، والقيمة الفلكية للإنفاق عليها من قبل الولايات المتحدة والغرب، والفشل هنا بمعنى هزيمة وانكسار القوة في المواجهة الدامية والمفتوحة، ما يعني ان الحلول العسكرية للصراعات بدأ بالأفول في المدى المنظور مع غياب قوة قادرة على تمثل الحالة الأمريكية والأطلسية. ففشل القوة وجبروتها جاء بسب الحروب غير المتناظرة الجارية في ساحات مختلفة أهمها في بيئة العرب والمسلمين.

8-     الثورات العلمية والتقنية، وانهيار قدرة الغرب على احتكارها، وتوزع بيئاتها المولدة وموطنها، وسهولة بلوغها بالبناء أو بالشراء، وامتلاك شعوب الجنوب وآسيا للمفاتيح العلمية وتنامي قدرتها على المنافسة وعلى التقدم تسقط من يد الغرب أخطر العناصر التي استند إليها في إطالة قرون سيطرته على العالم. ويتقاطع هذا التحول النوعي مع تحول آخر لا يقل أهمية تاريخية العجز الديموغرافي أو تناقص العدد السكاني وشيخوخة المجتمعات الغربية، بينما يصرف المهاجرون والمستوطنون الجدد النظر عن اللجوء إليها بسبب القيود وصعود العنصرية والقمع والتسلط الأمني.

9-     التوازن، ومتغيرات دور الرياده في الاقتصاد العالمي، وتنوع فروع الاقتصاد، وتقدم الفروع التي تنتمي إلى اقتصاد المعرفة، وسهولة الاتصال والتفاعل بين البشر، واستحالة احتكار وتقييد وسائط التفاعل والاتصال التي غدت سهلة ومباحة وعالمية الطابع في الملكية والانتشار... إن كل ذلك أحدثت تغييرات هيكلية وجوهرية على توزع مناطق القوة ومراكزها. فعادت الجغرافية حاكمة، وعادت الأرض والموارد الطبيعية العنصر الحاسم في التحكم بمسارات موازين القوة الاقتصادية واتجاهاته. وصار العرب معها، بخاصيات الموقع الجغرافي والثروات الطبيعية والثروة البشرية والشباب والإخصاب والفورة النقدية والقدرة على التعامل مع العلوم وفروع الاقتصاد الجديد، قوة موضوعية مقررة في تطورات الواقع والمستقبل وتوازنات القوة الدولية.

10-   كرست شعوب وأمم العالم قواعد انتظام واجتماع جديدة الطابع، بخاصيات ما فوق القومية، وبدوافع المصالح، وبدفع من متغيرات أنماط الحياة، والحاجة للتفاعل الخلاق والمبدع، وبتحفيز من التقدم في العلوم ووسائط الاتصال، وبرافعة مصالح القوى المهيمنة وعلى رأسها الليبرالية، وتقدم دور الشركة الحاكمة، والشركة عالمية الطابع والهيمنة تشكل الخلفية الحقيقة للسلطات وللسلطة العالمية "حكومة الظل العالمية" لتجتمع تلك الحقائق، القوانين، في صورة صيرورات، وسمات للعصر، تأخذ شكل الأممية الدولية، والقارية الجديدة، المشروطة في تجربتها وتحققها بخلاصتين مفتاحيتين: أن تتحرر كل امة على حدا وتقيم دولتها الوطنية، وان يكون الاتحاد طوعياً وندياً وذا طابع اجتماعي في صالح الأغلبية وليس احتكارا أو اغتصابا لصالح النخبة المالكة والحاكمة. فكان الاتحاد الأوروبي تجربة قاطرة، في صعوده، وفي أزمته الحالية بسبب السعي الليبرالي لتحويله اتحادا عدوانيا ضد الأمم والشعوب الأخرى، وليبراليا في صالح النخبة المالكة والحاكمة.

11-   جرت الأمور والتطورات على مدى القرنين المنصرمين، وجاءت بداية القرن الجديد، لتزيد في تفاعل المشتركات بين الأمم. فصار القرب الجغرافي والتفاعل العقيدي والقيمي، والتاريخ المشترك، وتماثل الأنماط الانتربيولوجية، وتقاطع المصالح الاقتصادية والتبادل بما هو في صلب الحاجة الموضوعية للتكامل عناصر حاسمة ومقررة في تشكل الوحدات ما فوق القومية. وتحولت العدوانية الامبريالية بطابعها الهمجي المطلي بطلاء العلمانية والديمقراطية (بيمنا هي تقيم الحد الديني والتفكير الغيبي والميتافيزيقي وتميز البشر على أساس الثقافة والدين الموروث والمكتسب واللون والعوامل الوراثية والجينية)، وأدت، بفعل مقولات الحرب على الإرهاب و"الفاشية الإسلامية" وتحدي قيم ومعتقدات أمم وشعوب الشرق إلى تحفيز هذه الشعوب ودفعها للنهوض والسعي للبحث عن المشتركات وتفعيلها في مواجهة العدوان الغربي على العرب والمسلمين. وفي بعض أسباب ودوافع هذه العدوانية المسألة الدينية والعقيدية، فاستهداف الإسلام والمسلمين يترك تأثيرات كبيرة حافزة على التقارب والتفاعل بما هي عناصر تأسيسية لولادة منظومة ما فوق قومية تشترك فيها دول وأمم المنطقة المسماة الشرق الأوسط أو العالم الإسلامي بعناصر موضوعية وتاريخية راسخة لها قوة تفوق بإضعاف قوة الحوافز التي دفعت أوروبا للاتحاد أو تدفع آسيا وأمريكا اللاتينية لمنظومات أمن واقتصاد تجاوز الأمم وبناها المستقلة.

هكذا يمكن التثبت من أن المتغيرات ذات الطابع الاستراتيجي والحاسم، والتطورات بمستوياتها المختلفة باتت حقائق تضغط جميعاً وتؤهل بيئات مساعدة على انتظام العرب في مشروع قومي تحرري بطابع أنساني وعصري منسجم مع معطيات المرحلة وسماتها وخاصياتها.

بذلك تسقط العناصر والآليات والقوى التي كانت تحول دون تحقيق المشروع القومي العربي بنسخه القديمة. فالمتغيرات في عالم صار مجرد قرية كونية صغيرة، يجعل منها عناصر دفع موضوعية تسهم في حث العرب لتعويم مشروعهم والسعي لتحقيقه في بيئات أكثر مناسبة لهم مما كان.

سلسلة من المعطيات الموضوعية المساعدة

- شهد القرن الماضي أحداثاً كبيرة حسمت وقررت سياقات التطور الموضوعي وإمكانياته للكرة الأرضية وشعوبها، فاستنزفتها بحربين عالميتين غيرت كل منها ما كان قبلها، وشهدت صدامات بين كتل وتحالفات قطبية كبيرة. ثم ورث العالم قطبان كبيران، قسما العالم إلى نصفين، في توازن شكل ضابطا لصراعاته، وقيدا على حقوق الأمم وقدرتها على تحقيق مصالحها، وكان العرب في قلب الانقسام، والأكثر تأثرا بفصوله وتطوراته.

- كان الإقليم "عرب وإسلام" خلال القرن الماضي، ساحة اشتباك للقوى الدولية، وكانت الحروب العالمية تدور بين ضواري عالمية، وفي ساحات أخرى، تحول فيها العرب إلى فائض متأثر بناتج تلك الحروب. فمن انتصر فيها أعاد وضع العرب تحت هيمنته بديلا عمن كان مسيطرا، بينما الحقبة الحالية تفيد بمعطيات مختلفة جوهريا، فالحروب تدور على ارض العرب ومعهم، وليس من قوى دولية قطبية صاعدة يمكن أن تدعي الانتصار لوراثة المهزوم، او قادرة على الاستثمار وإعادة إخضاع العرب والمسلمين بعد انجازهم لمهمة إلحاق الهزيمة بالموجة الغربية الامبريالية الجديدة. فالصاعد من الدول القطبية يصعد بفعل استنزاف العرب للغرب الامبريالي، ولن يكون العرب والمسلمون بنتيجة الحروب الدائرة قطعة جبنة للاقتسام بين المنتصرين، بل يتحولون بقوة القانون التاريخي والموضوعي إلى قوة قادرة على المساهمة في املاء حالة الفراغ.

- في القرن المنصرم، وبسبب طبيعة الأمم والشعوب في شروط نشوئها، والتشكيلات الاجتماعية والاقتصادية القائمة آنذاك وآليات تطورها وتصادمها لتقرير حقوقها وبناء دولها الوطنية القومية، نشأت نزعات عسكرية وإمبراطورية، تقاطعت مصالحها مع مصالح النخب الحاكمة ذات النزوع الإمبراطوري الحربي. بينما الشعوب في القرن الواحد والعشرين باتت ذات هموم مختلفة. فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي تم انتزاع مكاسبها وسحقت طبقاتها الوسطى، وأعيدت إلى حالة استعباد طبقي حاد من قبل النخب الحاكمة. وغدت الشعوب، بفعل تجربة حروب الإبادة التي دفعت ثمنها شعوب أوروبا والعالم، مدركة أن لا مصلحة لها في حروب الغزو الامبريالي الجديد، وانها غير قادرة على تخديمها ومدها بأسباب الانتصار والإطالة وتحمل كلفتها الفلكية. يُضاف إلى هذه الحقائق المادية الجديدة، أن الولايات المتحدة التي تتصدر الحروب الامبريالية غير قادرة  على  توفير حاجات النزوع الإمبراطوري في تشكيلها الاجتماعي وآاليات قيامها التاريخي "الوحدات المجتمعية التي يتشكل منها المجتمع الأمريكي واليات نظامه الأقرب إلى الشركة منه إلى التشكيلة الاجتماعية وتكوين أمة منسجمة عريقة" ما يعني أن حقيقة مادية ذات اثر نوعي تشكلت تختصر بمقولة: أن الأمم الغربية لم تعد أمم ذات نزوع أو مصالح إمبراطورية، وقد وقع شرخ حاد بين مصالحها ومصالح الشركة والنخبة الحاكمة ما يفسر النهوض الشعبي الواسع ضد الحروب الأمريكية، وعجز الإدارة الأمريكية والأطلسية عن التجنيد الإجباري، وزيادة قوتها في الميدان، أو توسيع دائرة العدوان، واضطرارها إلى بناء جيوش المرتزقة لاستخدامها في الغزوات بدل "الجيوش الوطنية". فقدرة الغرب على توسيع دائرة الحروب وإطالة أمدها لاستنزاف العرب والمسلمين باتت محدودة وعاجزة  مما يوفر بيئة مستقبلية حاضنة للعرب على تقديم مشروعهم التحرري والنهضوي.

- جرت بين أمم الإقليم خلال العقود الماضية تحولات ومتغيرات نوعية التأثير، في انعكاسها على حقوق الأمم وعلاقاتها، وصياغة مشاريعها. فقبل سقوط الإمبراطورية العثمانية وانحسارها إلى رقعتها المسماة تركيا، كانت أمم وشعوب الإقليم تيش تحت هيمنة العثمانية، الأمر الذي استوجب صراعا وتنافرا دفع بالعرب للرهان على أوروبا في الحرب العالمية الأولى طمعا بالتحرر القومي، وأدت إلى ازدياد نزوع التحرر القومي العربي في مواجهة الهيمنة العثمانية على اتصال بالغرب الأوروبي وعلى تأثر مع الولسونية الأمريكية الداعية إلى حق الأمم في تقرير مصيرها، وخلال الحقبة التي أعقبت انهيار العثمانية تشظت أمم المنطقة، وانقسم العرب بين القطبين. فأرخت صراعات الأقطاب وأحلافها بنتائجها وبمصالحها على علاقة أمم الإقليم بعضها ببعض واتسمت بالصدامات والصراعات والتنافر، ما استثمرته مشروعات الغرب للسيطرة على العرب والمسلمين، وتحول الجميع أدوات في تلك المشاريع وتخديمها، فأسقطت الحركة التحررية القومية العربية بصراعات بين العرب أنفسهم وتياراتهم وأقطارهم، وبتآمر الدول والأمم المحيطة كدور إيران قبل الثورة الإسلامية، وتركيا قبل حزب العدالة والتنمية، وباكستان حتى يومنا. غير أن الواقع الجديد والمتغيرات تفيد بتغيير الأسس والقواعد الموضوعية لعلاقة أمم الإقليم بعضها ببعض وصار تحرر واحدة منها مشروط بتحرر الأمم الأخرى ووجب تفاعلها وتضامنها كما هو جار بين سورية وإيران، ومع وتركيا وحالة المخاض الباكستانية.

- في الاقتصاد العالمي وفروعه الجديدة، وتأثيرات العولمة، والتغيرات في موازين القوى الاقتصادية العالمية، تغيرت قواعد الهيكلة الاقتصادية العالمية. فبتراجع دور الاقتصاد التقليدي لصالح اقتصاد المعرفة والقطاع الثالث، وتراجع دور الإنتاج والتصدير لصالح الأسواق والقدرة الاستهلاكية، وتقدم دور المال ومالكيه، عادت خطوط نقل المنتجات والموارد تلعب دورا أساسيا في تقرير اتجاهات الاقتصاد العالمي. وتحولت الشبكة العنكبوتية إلى بيئة مولدة لمراكز قوة اقتصادية من خارج المراكز التقليدية المعتادة، ولم تعد الدولة الصناعية هي القوة المحورية، وصارت دول صغيرة بسبب خصائصها وقدرتها على التفاعل مع الشبكة العنكبوتية بإمكانها أن تكون قطبا اقتصاديا، أو مركز قوة. والشواهد كثيرة، فالولايات المتحدة واستقرارها ومستقبلها مرهون بالدول الدائنة، وبدول الموارد خاصة النفط، وخطوط النقل، كما استمرار صعود الصين الصاروخي مرهون بتلك العناصر وغيرها، ما يؤكد أن البيئة الاقتصادية العالمية وما تم فيها من متغيرات وتطورات خلال القرن المنصرم يمكنها أن تسهم بتصعيد أمم وأقاليم وإضعاف أخرى، بغض النظر عن حجم القوة الاقتصادية والعسكرية  والإنفاق الفلكي عليها، وهنا يحتل العرب دورا محوريا كامنا موضوعيا يمكن تفعيله بل تضغط حاجات الأمم ومصالحها لمساعدة العرب بتفعيل دورهم.

الخلاصة

بقدر ما كان تفاعل العرب لجهة تأثيرهم وتأثرهم بالمجريات العالمية وبكونهم منطقة قلب العالم تتركز فيها الثروات وقيمة الجغرافية والموارد والأسواق والأموال، عرضه لعبث موازين القوى الدولية واستهدافاتها، وبقدر ما كانت الأوضاع الإقليمية والعالمية قوة إعاقة لوحدتهم ونهضتهم، فإنهم اليوم، بالقدر ذاته مضافا إليه دورهم الراهن في توليد الجديد العالمي، أمام فرصة تاريخية سانحة ومحفزة، فالعناصر الموضوعية تشكل قوة دفع تستعجل نهوضهم بمشروعهم القومي التحرري مستندا إلى مشروعهم الظافر في المقاومة والممانعة الذي يقترب من تحقيق مبتغاه.

 

 

القوى والعناصر والبيئات المتشكلة

 والمولدة للكتلة التاريخية صاحبة المصلحة في المشروع  القومي العربي

 بينما ابتلي المشروع القومي التحرري العربي بعقبات قاتلة أفقدته القدرة على التحول من طموح للغالبية الشعبية إلى حقيقة معاشة، وبرغم ما قدمته الأمة من تضحيات جسام فاقت كل تصور وكل قدرة على الاستمرار، تتبدى عناصر جديدة في الحراك وفي البنية تفيد بالإمكانية الوافرة لتجاوز العقبات والتقدم باتجاه امتلاك مشروع تحرري عصري له قابلية التطبيق والانجاز في بيئة إقليمية ودولية متغيرة يمكن الاستفادة منها والاستثمار فيها. وقبل التعرف إلى القوى والبيئات الاجتماعية صاحبة المصلحة في المشروع لابد من التعامل مع تلك التي كانت تعيق وما هي حقيقتها ودرها الآن.

اعتمد الغرب في تكريس تجزئة وتخلف العرب ومنعهم من التوحد والتشكل كأمة مكتملة العناصر بما في ذلك بناء الدولة الوطنية، على أدوات وعناصر كثيرة، في أولها الأحلاف والقواعد والاستثمار في الأقليات وفي حال التفكك، وكرسها عميقا. ومن تلك العناصر والأدوات يمكن رصد الآتي.

-   الدور الإيراني في حقبة الشاه، واعتماد إيران كسد في وجه المد الشيوعي وذراع في إسقاط العرب واستنزافهم. لقد تغير الدور منذ الثورة الإسلامية الإيرانية، بل تحولت إيران إلى قوة محفزة وداعمة للمشروع العربي باحثة عن آليات تفاعل تحت عباءة الإسلام الواسعة.

-   تركيا: على نفس طريقة الاستثمار في إيران استثمرت أمريكا والغرب فيها، غير أن المتغيرات الإقليمية والدولية التي عاشها ويعيشها الإقليم والعالم وقد سلف ذكر بعضها غدت عناصر مؤسسة لتحولات تركية نوعية تغير فيها الاتجاه والدور التركيين. فتحولت تركيا مع الحزب الإسلامي العلماني "العدالة والتنمية"، ولأسباب شتى بينها الحفاظ على نفسها ودورها ومواجهة العدوان على الإسلام وطبيعة الجمهور التركي وحاجاته وثقافته، ومواقف تركيا الراسخة منذ سنوات بما يخص الملف العراقي والإيراني والسوري والفلسطيني. يشكل كل ذلك أموراً تفيد بأن تركيا تتحول من أداة بيد مشروع الغرب لاستعباد العرب والمسلمين إلى بيئة مساعدة ومحفزة للعرب والمسلمين للتحرر من الهيمنة والتفاعل كمقدمة لإقامة منظومة أمن واقتصاد إقليمية تتشارك فيها أمم الإقليم.

-   باكستان: كانت العمود الثالث في قاعدة الهيمنة الغربية على آسيا وعلى العرب والمسلمين، فدخلت الآن مرحلة مخاض قاسية وطويلة نسبيا قد تنجلي على خيارات في غير صالح الغرب الامبريالي.

-   إسرائيل: المشروع القاعدة العسكرية الاستيطانية لتفتيت العرب وترويعهم واغتصاب إرادتهم واستنزافهم، وتخديم مشروعات الغرب بما فيها تأبيد القطرية وتحويلها إلى وطنية وقومية منعزلة، كلفت الغرب ما يزيد على 4 تريليون دولار، تناوبت عليها أوروبا والولايات المتحدة، غير أنها وبعد استنفاذ فرص التسويات التفريطية والتطبيع والهرولة، وبعد سقوط وهم قوتها، وانحسارها عن لبنان وعن غزة بدون شروط وبدون مفاوضات وتسويات، وانهيار وهم قوتها الردعية، استنفذت دورها الوظيفي، وارتفعت كلفتها على الغرب، وتحولت إلى عبء باهظ الكلفة يحتاج إلى جيوش الغرب لحمايته، ومع دخول إسرائيل مرحلة الأزمة الوجودية نحو الأفول، بدأت تنحسر مفاعيل وتأثيرات زرعها جسما غريبا في المنطقة لتأبيد تخلفها وتجزئتها.

-   اعتمد الغرب الامبريالي في الهيمنة على المنطقة العربية والإسلامية وتفتيتها على الاستثمار في الأقليات الاثنية والطائفية، وتسعير التناقضات والحروب الأهلية ودعمها، وجعلها منصات لتدخله السافر، كما في التجربة اللبنانية والسودانية والكردية. غير أن الزمن والتبدلات الجارية على وضع الأقليات، وعلى قوة المشروع الغربي وأزماته، وفي وعي العرب والمسلمين، وتجربتهم المريرة والطويلة، عناصر تفيد بانتفاء هذه الوسيلة وضعفها. وهذا ما دفع بالغرب الامبريالي وبالإدارة الأمريكية إلى السعي لتفتيت دول وكيانات "سايكس بيكو" في إستراتيجية الفوضى البناءة، وإعادة بناء الأمم على أسس طائفية ومذهبية بقصد تحويل قضايا العرب وتغيير اتجاهها، وجعلهم قبائل تحترب فيما بينها وتتصالح مع إسرائيل وتمول حروبها من حساب ثرواتها لاغتناء مصانع الأسلحة والإدارات الغربية.

-   بدأت نخب وأدوات حماية المصالح القطرية الضيقة تنهار وتأفل تحت تأثير المتغيرات والبيئات الاقتصادية وفروع الاقتصاد العالمي الجديد، ما يفقد القطريات والمشيخات قدرتها وقوتها على الاستمرار والتجذر، ويفقدها عناصر دعمها في بيئاتها ذاتها وفي انحسار الشرائح صاحبة المصلحة فيها، وانحسار  قدرات القوى الحامية لها. فرفض الغرب لواقع "سايكس بيكو" وتقسيماته وسعيه لتقسيمات جديدة يعني انكفاءه عن أن يتشكل قوة حارسة للقطريات ناهيك عن عجزه إن أراد بعد ما صارت عليه قوته من إنهاك.

-   شكلت النظم القطرية ونخبتها الحاكمة والمالكة أدوات، بعضها مستور وبعضها مشهور، لحماية المشروع الغربي وهيمنته على العرب. في حين توفر المرحلة التاريخية المعاشة فرصة ذهبية لكشف المستور وتظهيره علنا، بالجاري في تشكيلات حلف المعتدلين العرب، وحلف الأجهزة الأمنية، وحلف التسويات التفريطية، ما يجعل من الفرز الجاري على الأساس الوطني والقومي أمرا ايجابيا، يحرر العرب وشعوب المنطقة من حالة اللايقين ومقولات التضامن العربي والإسلامي التي استخدمت للتستر على النخب القطرية الموالية للغرب والممهدة لمشروعاته ومؤامراته.

-   ابتليت الحركة التحررية القومية العربية في الزمن الغابر بمصائب شتى غالبها بنيوي، ونمت في حاضنات موضوعية مؤهلة لتعميقها، فأنتجت هزائم مكررة، وخلفت حالات من الإحباط واليأس المعمم، انتهت إلى الفشل المتراكم، مخلية الساحة لقوى تحررية من طابع وبنية وعقائد جديدة، بل وبعض من قوى ونخب حركة التحرر القديمة انتقلت إلى الموقع المضاد، لعبت وتلعب دورا سلبيا خطيرا في الترويج للمشروعات الغربية متذرعة بعجز العرب عن امتلاك المشروع، نافية حقائق ومكاسب مشروع المقاومة الاستراتيجي.

تقويم وضبط

تحتاج حالة حركة وقوى التحرر الوطني والقومي العربية في القرن العشرين إلى وقفة تقويميه سريعة لنعبر منها إلى معرفة القوى والعناصر المتشكلة ككتلة تاريخية قادرة على حمل المشروع التحرري وانجازه، وفي التقويم نضبط العناصر الآتية.

1-     ارتكزت الحركة التحررية التي انبثقت بطابعها القومي مع نهاية القرن التاسع عشر وبدايات العشرين في عناصرها الأساسية إلى الأقليات القومية والاثنية والطائفية، متحالفة مع النخب الإقطاعية المتنورة وقادة العشائر المغلولة يدها وتجار المدن، وكانت متأثرة بالنهوض القومي الأوروبي ومتفاعلة معه، وعلى تصادم مع الإمبراطورية العثمانية ومتعارضة مع القيم والتدين الإسلامي. فأخذت طابعا علمانيا هجينا، غريبا عن بيئته وطبيعة وثقافة الأمة، فتورطت بتصادمات ثقافية وقيمية واستعجلت الصراع العقيدي على التحالف الوطني العريض واستنهاض أطياف الأمة على أولية مهمة التحرر القومي والوطني، فتورطت بأوهام وبرهانات على الغرب الأوروبي، وانخدعت به، فلعبت دورا قاصرا، أسهمت في هزيمة الإمبراطورية التركية لتترك المنطقة عرضة لسيطرة القوى الاستعمارية الأوروبية ولتحصد الخيبة والوهم.

2-              مع صعود التجربة السوفييتية البلشفية، وفي مجريات الحرب العالمية الثانية وبنتائجها، ومع صعود موجة اليسار الاجتماعي، وهيمنة الفكر الشيوعي الروسي على الحركة الثقافية التحررية العالمية والعربية، نشأت حركات تحرر وطني واجتماعي من طابع مختلف. ارتكزت في الأساس على الأقليات، وعلى النخب المتعلمة من ممثلي الطبقات الوسطى والفقيرة. وحفزتها قضية فلسطين، وعجز النظم وخيانتها وعجز بقايا حركة التحرر العربية القديمة، فتشكلت حركات شعبية واسعة الطيف والتأثير متنافرة ومتصارعة مع الحركات الإسلامية، وفيما بين أطيافها ذاتها القومية والاجتماعية. وشكلت الجيوش العربية الوليدة من رحم مرحلة الانتداب، بيئات تصعيد لنخبتها ولحركاتها، فبلغ بعضها السلطة السياسية عن طريق الانقلابات العسكرية وقبل أن تكتمل تجربتها وعدتها وبنيتها، وقبل أن تنضج فكريا ونظريا وبالممارسة، تقدمت بشعارات وبرامج تحرر وطني قومي اكتسبت الطابع العاطفي والارتجالي، فاتسمت سياساتها وممارساتها بالتجريبية الحادة وبالتأثر بالتجربة البلشفية. وداهمتها حالة الانقسام العالمي بين قطبين كبيرين، جعلتها في حضن الكتلة السوفيتية، متقاربة ومتعاونة وأسيرة لسياساتها ومصالحها. كما دهمها تمدد الغرب بقيادة الولايات المتحدة إلى بيئتها المباشرة، وهيمنتها على إيران وتركيا وباكستان، وتجديد الدعم لإسرائيل عبر التبني الأمريكي واستمالتها للمشيخات والإمارات والممالك العربية التي ارتهنت للغرب وشركاته النفطية. ثم جاءت حرب حزيران 1967 وغياب عبد الناصر والدور التخريبي الذي لعبته منظمة التحرير الفلسطينية وعمليات الإفساد المنظم التي مورست معها وعبرها على القوى والحركات السياسية التحررية، بتمويل وهيمنة من حقبة النفط العربي والسياسات السعودية مرورا بانقسام العرب رسميا حول اتفاق كامب ديفيد، وهيمنة مشروع التسوية السياسية والرهان عليه، والحرب الأهلية اللبنانية والأردنية، ثم حرب الخليج الأولى والثانية، وسقوط بيروت عام 1982 إلى فرض الحصار والعزل على سورية بسبب التزاماتها الوطنية والقومية... فشكلت حقبة نصف القرن المنصرم حقبة الاختبار والتجريب، واستهلاك القوى وفرزها وتبديد الجهد، والتراجع بعد فترة صعود لم تدم طويلا، الأمر الذي انعكس بتفسخ حركة التحرر وتنافر قواها، وتخلفها عن قيادة المشروع القومي والنهوض به. فانتكست الأمة العربية وزادت فرقة وتخلفا، وانشغلت بهموم جزئية على حساب الهموم الوطنية والقومية وانكفأ الشارع إلى حالة إحباط وخيبة.

3-     لعبت الثورة الإسلامية الإيرانية في توقيتها وشعاراتها والتزاماتها وتحالفاتها دورا محوريا في إعادة تخليق البيئة المناسبة لنهوض قومي وطني عربي وإسلامي. وشكل التحالف السوري الإيراني الحاضنة المولدة لحركات المقاومة والممانعة، والحافزة للتغييرات الموضوعية والذاتية التي شهدتها المنطقة على مدى ثلاثين سنة ونيف. جاءت علاماتها الفارقة في انهيار مشروع التسويات، وانهيار إستراتيجية الاحتواء المزدوج، والتطبيع والهرولة. ثم شكل التحالف السوري الإيراني الحاضنة وقوة الدعم للمقاومة اللبنانية ذات الطابع الإسلامي، وعلى اثر تحقيقها لانتصارات متراكمة نوعية توجت بنصر أيار 2000 تفجرت الانتفاضة الفلسطينية بعد أن استنفذت اتفاقات أوسلو مشروعيتها التاريخية وسقط خيار التسويات التفريطية. ودخلت المنطقة العربية والإسلامية طورا جديدا يشهد صعودا لحركة التحرر العربية ببنية وبنوعية وبشعارات وعقيدة من طابع جديد لتتحقق فرصة تاريخية جديدة واعدة بإمكانية استنهاض المشروع بصياغة تحررية عصرية إنسانية.

ما عاشته حركة التحرر العربية والتبدلات التي طاولتها على مدى قرن جاء تحت تأثيرات بيئات وشروط موضوعية وذاتيه واسمة لها. فشكلت بوتقة اختبارات وتجارب استفادت منها الأمة وأطيافها وطلائعها، تجسدت تجربة جديدة نوعية تراكمت فيها الخبرات والاستفادة من الأخطاء، وتقاطعت مع المتغيرات في البنية الاجتماعية والاقتصادية وفي توازنات القوى الإقليمية والدولية لتكتسب سمات نوعية تؤهلها لقيادة مشروع المقاومة كتأسيس متين لمشروع النهضة.

متغيرات موضوعية وذاتية

يمكن رصد المتغيرات والشروط التاريخية الموضوعية الجديدة المتولدة والحافزة، كما يمكن رصد القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في التشكل في الكتلة التاريخية الحاملة لمشروع قومي تحريري عصري من طابع جديد على النحو الأتي.

-   المقاومات العربية غدت قانونا ونهجا وخطا ثابتا في تقرير مسارات الأحداث في المنطقة والإقليم، وأصبحت القوة والوسيلة الوحيدة لاستعادة الحقوق وإلحاق الهزيمة بمشروعات الغرب الامبريالي الاستعمارية وطرده من بلاد العرب والمسلمين. والمقاومة بما هي فعل سلبي ذات طابع شعبي أي أن مشروع التحرر في حقبته الأولى "صد المؤامرات والغزوات وطرد المستعمر" هو اليوم شعبي البنية والقرار والطبيعة، واسع الطيف، وليس كما كانت حركات التحرر ذات بنى نخبوية واقلوية. لهذا تتبدى قيمه وعقائده وأفكاره منسجمة تماما مع بنية الأمة الثقافية والعقيدية والقيمية وتعبيرا أصيلا عنها، ما يعني الكثير من الأمور ذات الطابع الاستراتيجي. فالوحدة الوطنية كأساس متين لانجاز مرحلة التحرر الوطني باتت أصيلة، يمكن تفعيلها ووضع صياغات انجازها بما في ذلك تسريع التفاعل الخلاق بين أطياف الأمة العقائدية والقيمية والثقافية. وهذا ما يفسر الحملة المحمومة للغرب وأدواته المحلية، وبعض النظم القطرية التي تسعى لقطع الطريق على وحدة الأمة بالعمل على تجزئتها وافتعال اقتتالها على تناقضات مذهبية واثنية. وهذا ما يفسر عجز الخارج عن افتعال الحرب السنية الشيعية ويكشف عن طبيعة المقاومة ووعيها التي نجحت في تفويت الفرصة وفي إطلاق خطاب وطني قومي إسلامي جامع وإقامة علاقات بين أطياف المقاومة النضالية تقطع الطريق على تطييفها أو مذهبتها.

-   على الرغم من فساد منظمة التحرير عندما تسلمت راية قيادة حركة التحرر العربية القومية، وبرغم تراجع فاعلية القوة القومية واليسارية في حركة التحرر، وتأثيرات انهيار الاتحاد السوفيتي على طبيعة الحركة التحررية العربية وفصائلها، استمرت سورية، دولة وحزباً ومجتمعاً، على خط الممانعة والتمسك بالثوابت. وأدارت صراعا مريرا مع قوى الاستعمار وحلفائه، ونجحت من موقعها القومي التحرري العلماني في احتضان المقاومات العربية بطابعها الإسلامي"الشيعي والسني". وأقامت حلفا استراتيجيا مع إيران الإسلامية النظام، فشكلت بؤرة حوار وتفاعل خلاق بين الإسلاميين والقوميين والعلمانيين، وتشكلت حاضنة لحوار خلاق تشترك فيه أطياف الأمة وتلاوينها الدينية والمذهبية والاثنية وقواها الجديدة. وأكدت في التجربة أن تفاعل الإسلامي الجهادي، والقومي التحرري العلماني يمثلان شرطا لازما لنجاح خيار المقاومة والممانعة بما هي إستراتيجية دفاعية تؤسس لانتقال هجومي في امتلاك مشروع النهضة والتحرر.

-   أن تكون سورية وإيران، دولتين راسختين، بتجربة حكم ومقاومة امتدت لعقود في قلب مهمة التحرر الوطني والقومي والتحالف بين أمم الإقليم، للنهوض به في وجه العدوان والإلحاق يمثل أمرا حيويا وتطورا نوعيا تاريخيا يتجسد في كون قيادة الحركة التحررية وقاعدتها صاحبة خبرة وتجربة وثبات، متحررة من الصبيانية والارتجال، والاستعجال والعاطفية، والإيديولوجية في إدارة الصراع والتحالف. وبذلك تكون الخبرة المكتسبة، والبنية الراسخة للدولتين ضامنا نوعيا لإمكان الانتقال من إستراتيجية المقاومة إلى إستراتيجية النهوض، والعمل على إملاء فراغ انهيار المشروع الغربي وتشكيل البديل المحلي والإقليمي، وهذا فارق نوعي في بيئة وطبيعة وتجربة حركة التحرر بالمقارنة مع ما كانت عليه في العقود الماضية.

-   أن تتشكل سورية وإيران حلفا يحتضن ويولد المقاومات، ويحمي قوى الممانعة وان ينهض بالعرب وبالمسلمين، ويسجل الانتصارات التاريخية والنوعية، ويثمرها، ويبني عليها، ويطور الأداء، ويدير حقبة تفاوض وصراع مريرة ومديدة مع الغرب وأدواته، وان ينجح الحلف باستمالة تركيا ومساعدتها على التحرر وصياغة دور جديد، واستمالة ومخاطبة آسيا خاصة الصين وروسيا بمصالحها وتطوير التفاعل لصد الهجمة الامبريالية على الجميع في بيئة المتغيرات العالمية والإقليمية... يعني حقيقة أن العرب والمسلمين باتوا يمتلكون القدرة والوعي والقوى القادرة على انجاز المشروع التحرري، وهذه المرة بطابع نوعي عصري على توافق بين أمم الإقليم، والتفاعل بين الحضارات والأديان، ومفتوح على انجاز مهمة الوحدة والتحرر وتفعيل المشتركات والتمهيد لإقامة حلف إقليمي بطابع وقدرات استثنائية يستطيع حمل مشروع عربي وإسلامي والتحول إلى قوة عالمية صاعدة ووازنة تغير جوهريا في التوازنات الدولية.

القوى الاجتماعية الحاملة للمشروع التحرري

في المتغيرات عناصر شتى حافزة ومنشطة لاستنهاض قوى اجتماعية تشكل القاعدة العريضة لجمهور الأمة وحيويتها، بأبعادها المختلفة، ترنو إلى تحقيق الطموح الحق التاريخي بتحقيق الوحدة وإقامة الدولة الأمة، كشرط لازم لاكتمال التحرر وتحقيق الشراكة في قيادة الإقليم وفي صناعة الحضارة الإنسانية وتشذيبها وتطويرها، كما في بنية الأمة وأطيافها وقواها الاجتماعية عناصر نوعية كامنة تتحفز للتحرر والمشاركة، وتعبر عن رغبتها بوسائل شتى، وتطلق الإرهاصات والنذر، نرصد منها ونحدد طبيعة القوى والبيئات على النحو الآتي.

-   القوى الرأسمالية ذات الطابع والمصلحة القومية، وهي موزعة على مختلف القطاعات الاقتصادية، فالقطاعات الإنتاجية التي تتعرض لحصار وضغوط وحرمان من الأسواق العالمية وتجري منافستها في أسواقها القطرية العاجزة على أن تكون أسواق حاضنة، ترنو وتندفع تحت ضغط حاجاتها ومصالحها للبحث عن أسواق كبرى قادرة على توفير بيئتها الحاضنة وتأمينها بات مشروطا بتحرر أسواقها القطرية من الهيمنة، بلوغا لتحرير أسواقها القومية والإقليمية، وإزالة الحواجز الاعتراضية المفتعلة، يحفزها طبيعة المنطقة وجغرافيتها وثقافتها المشتركة وتكاملها الاقتصادي والإنتاجي، إلى القطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية والسياحية وتقترب القطاعات الريعية أيضا من هذه الطبيعة، بسبب المتغيرات الجارية من جهة، وقوانين العولمة ومسارب الحركة الاقتصادية العالمية. يضاف إليها قبض الرأسمال العالمي الليبرالي وأدواته على الحركة الاقتصادية العالمية، واستهدافه للرأسمال العربي الريعي واستلابه عبر البورصات ولعبتها القذرة، والمصادرات بذريعة تمويل الإرهاب، والقوانين المانعة للتوظيفات العربية والإسلامية في الدول الأوروبية وأمريكا "موانئ دبي نموذجا"، وحجم المنافسة القاسية للتوظيفات في الصين وآسيا، والمزاحمة غير الشريفة وغير الحرة على امتلاك القطات المعروضة للخصخصة في الدول العربية... تلك الحاجات تعبر عن نفسها بكم هائل من الوقائع والإرهاصات، يكفي الاطلاع على مقررات ووقائع المؤتمرات التي تجمع تلك القوى والكتل لمعرفة كم هي تواقة إلى سوق عربية واحدة حرة لتوفير بيئة وفرص وضمان الاستثمارات، وواقعة أن سورية باتت مقصدا للتوظيفات العربية من كل شاكلة مؤشر قوي جدا على الطبيعة القومية للرأسمال العربي بما في ذلك الريعي والنقدي.

-   التشكيلات المهنية والاجتماعية المعبرة عن الطبقات الوسطى العربية، كمثل نقابات المحامين والمهندسين والمدرسين، ورجال الأعمال من صناعيين وزراعيين، تشهد حالة نهوض، وتحركها القضايا ذات الطابع القومي والتحرري، وتحضر في الكثير من التحركات الداعمة للمقاومات والمتبنية للممانعة. وتعبر في مؤتمراتها وقراراتها عن نزوع ثابت نحو المسالة القومية، وتتشكل كبيئة حاضنة للحركات والقوى الساعية الى استعادة المشروع القومي التحرري، وتشكل قاعدته وقوته الصلبة تعبيرا عن مصالحها المباشرة والمستقبلية. وتنشأ تباعا بيئات حافزة لها خاصة مع المنافسة غير الشريفة للقوى والشركات الأجنبية الساعية إلى تهميشها وحرمانها من سوقها الوطنية والقومية، مع تحكم شريحة رقيقة عملية بالسلطات وطبيعتها وسياساتها "ليس أمرا عابرا أن تكون "القاعدة" وشقيقاتها متركزة في هذه البيئة" كما تشكل العامود الفقري للحركات السياسية والجهادية الحيوية والفاعلة، كحزب الله، والتيار العوني، حركة الإخوان المسلمين، والتيار الناصري في مصر، واليمن.

-   فقراء، ومهمشو المجتمعات، والنخب المتعلمة والمهنية، والقوة العاملة العربية، تتشكل كتلة متراصة، تمثل القاعدة الأوسع لخيار المقاومات العربية، وقوى دعمها والتعاضد معها، امتداد على طول وعرض الوطن العربي والإسلامي، وتعبر عن نفسها بالكثير من الشواهد والأحداث، فالتظاهرات وآليات التضامن مع المقاومة اللبنانية والعراقية والفلسطينية أدلة عملية على طبيعتها وطبيعة مصالحها واستعدادها للمشاركة في مشروع النهضة واحتضان مشروع المقاومة. ودلت استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسات دولية، مراراً، على حجم العداء لإسرائيل وأمريكا والغرب الامبريالي والنظم الموالية له، وحجم التأييد للمقاومات والجهاديات العربية والإسلامية. وليس بالأمر غرابة، فهذه هي كتلة الأمة الأساس والأكثر تعرضاً للظلم وتأثرا بالهيمنة الغربية والاستيلاء على المقدرات والأسواق والنظم، والأكثر خسارة بسبب الحواجز والنظم القطرية التي تجيز حرية انتقال أدوات الحكم والأمن والنصب والنهب، بينما تمنع انتقال العمالة، وتفرض عليها شروطاً حادة وتستبدل العمالة العربية في دول النفط بالعمالة الآسيوية ومن كل إطراف الدنيا إلا العمالة العربية بقطاعاتها المختلفة العادية والمتعلمة والمبدعة، وتضطهدها بقسوة بالأجور وشروط العمل بالمقارنة مع مثيلاتها الأوروبية والآسيوية.

-   الفنانون والإعلاميون والمبدعون، وقد صاروا قطاعا واسعا، ويمثلون أحد أهم قوى صياغة الرأي العام، فقد عبرت تلك الكتلة عن حاجاتها ومصالحها ورغبتها باستنهاض المشروع التحرري العربي ودعمه في الكثير من المرات والممارسات العملية، وجاءت اوبريت الحلم العربي إرهاصا، ثم برامج الفضائيات الفنية ذات الطابع العربي إعدادا واستهدافا ومشاركين "سوبر ستار العرب" و"الاكاديمية"، وفي المسلسلات والبرامج السياسية والترفيهية، وما تثيره من قضايا ذات طابع عربي قومي وتحرري تحوز على تعاطف ومشاهدة واسعة جدا.

-   ما أقدمت عليه القوى الامبريالية، خاصة إعلان الحرب على الإسلام، وإعلان حرب الحضارات، وما تمارسه القوات الغازية في أفغانستان والعراق وفلسطين والصومال، ودور الإعلام في نقل الصورة الحية، والاعتداءات المتكررة والمقصودة على الرسول وعلى القيم والمقدسات الإسلامية والمسيحية، تشكل حافزا نوعيا لدفع القطاعات الأكثر تقليدية ورجعية وتخلفا للانخراط في معركة مواجهة تلك التصرفات والسياسات، فتضعها في قلب خيار التحرر الوطني والقومي بدءا من دعم واحتضان خيار المقاومات والممانعة إلى امتلاك مشروع التحرر كحلقة مكملة، تستحضر حقها بالوجوب.

-   البيئات والقوى والمجاميع السياسية والاجتماعية والمثقفون والكتاب ذوي النزعة القومية والتحررية، وقد دبت الحياة في تشكيلات جرت عملية تصنيعها في بيئات لم تكن ناضجة وحيوية، لتستعيد حياتها وحضورها على نحو مضطرد، كمثل المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي الإسلامي، ولقاء الأحزاب العربية، وهيئات دعم القدس، وفلسطين، وحملة المائة يوم ويوم لدعم الانتفاضة الفلسطينية، وما صدر من بيانات ذات طابع ومحتوى قومي وإسلامي وقعتها زعامات ورجال دين وجمعيات ذات حضور وازن تمتد تأثيراتها على امتداد الوطن العربي والإسلامي، خاصة الهيئات الدينية القومية وما فوق القومية. تتشكل تلك كمحاولات ونذر وإرهاصات دالة، وكعناصر فعل نوعية التأثير في بعث الروح القومية التحررية، والتأسيس لما يجب أن يكون في العلاقة بين أمم الإقليم، وفي رفض الهيمنة والعدوان والسعي للتحرر والنهوض.

-   تستعيد القضية الفلسطينية طبيعتها وحقيقتها، وحضورها المحفز على أنها قضية وطنية قومية إسلامية تحررية عالمية، وتجتمع تحت رايتها الكثير من القوى والعناصر، وتتحفز للعمل المشترك والنوعي، لتؤسس في إنهاض المشروع القومي التحرري الذي يستحيل نهوضه إلا في ميدان الصراع، وبإزاء مهام تاريخية ومهام راهنة. فعودة القضية الفلسطينية إلى الحاضنة العربية والإسلامية بسبب طبيعة قوى المقاومة، ومأزق المشروع الأمريكي والإسرائيلي والتصالحي العربي يشكل تحولا نوعيا حاسما في تأليب واستنهاض قطاعات شعبية ونخبوية عربية واسعة ويقحمها في معمعان النضال القومي التحرري.

إلى ما تقدم، ولجميع الأسباب والشروط الواردة الذكر وغيرها، تنفتح البيئة العربية والإسلامية على ولادة حركة تحرر عربية ذات طابع ومضمون وخطاب وسياسات وآليات عمل مختلفة، تجتمع تحت قبتها التيارات الفكرية والعقيدية والتلاوين الطائفية والمذهبية والخيارات السياسية الوطنية والاجتماعية، وتتأسس بيئات حوار تفاعلي في حاضنات راسخة وثابتة ومدركة، تمتاز بتجربة قوية وعميقة وبوعي تاريخي وقدرة إبداعية على إدارة الصراع والتفاوض، والتوافق والاختلاف. ويحفز على دنو اللحظة التاريخية هذه وتوفير بيئتها أن الأمة بجميع قواها وأطيافها وكتلها ومشاربها ومعتقداتها وتشكيلاتها الاثنية والمذهبية ومقدساتها وكياناتها السياسية والجغرافية حتى المفتعلة كالقطريات والمشيخات، واقعة تحت العدوان والهجوم والاستهداف المعلن من قبل القوى الامبريالية وأدواتها وأحلافها.

باختصار شديد البيئة تغيرت. والمتغيرات جميعها تضغط وتلح بإعادة استنهاض المشروع القومي التحرري وعصرنته، لان ساعته قد دنت، وشروطه توفرت وفي طريقها إلى أن تكون أكثر وفرة على كل الأصعدة والميادين.

السؤال الجوهري من صنف: من يحمل الراية؟ من يعلق الجرس؟ ما العمل؟ أي برنامج ومهام وآليات مطلوبة؟ من أين يجب أن تكون لحظة ونقطة البدء؟

هذا ما سيكون موضوع الفصل الأخير من تقرير حال الأمة في عالم يتغير.

م ع، 22-11-2007

 

المقالات تعبر عن آراء كاتبيها

المصدر: مجلة العرب والعولمة

جميع الحقوق محفوظة

 

البريد الإلكتروني