|
لبنان: أزمة انتخاب رئيس الجمهورية؟ أم أزمة النظام السياسي ووجود الكيان بالذات؟ جوزف عبدالله awlamat@dm.net.lb
قد يصدر هذا العدد من "العرب والعولمة" وللبنان رئيس للجمهورية توافقت على "انتخابه" القوى العالمية الإقليمية واللبنانية. وربما يعجز الجميع عن ذلك فتتأجل جلسة الانتخاب لمرة أو مرات جديدة، وتتأجل معها لعبة "دستورية" التعديل في بلد يعمل دستوره على قاعدة "غب الطلب". وسواء انتخب الرئيس أو لم ينتخب، فإن الحقيقة الأكيدة أن الأزمة في لبنان أعمق وأبعد بكثير من مجرد قضية انتخابات رئاسية. بل لعل من شأن هذه الانتخابات أنها كشفت عمق الأزمة في النظام السياسي اللبناني وفي وجود كيانه السياسي بالذات ومعنى هذا الوجود. فهل لبنان كيان سياسي، دولة، مستقل وسيد مصيره، أم هو واحدة من المؤسسات الدولية لتتصارع القوى العالمية والإقليمية على إدارته والتدخل في تفاصيل تفاصيل حياته العامة، وتفسير نصوصه القانوية والدستورية؟ ومهما يكن من أمر هذه الأسئلة والملاحظات فالثابت أن لبنان يعيش أزمة نظام سياسي وأزمة تطال وجود كيانه السياسي بالذات. لا شك في أن الطبقة الحاكمة في لبنان عاجزة عن الحكم وعن إدارة البلاد. وهي عاجزة عن الإجماع على شتى أمور الإدارة العامة، خصوصاً في السنوات الأخيرة. وهذا العجز لا يتجلى في كون الحراك الشعبي يعيق الطبقة الحاكمة عن ممارسة دورها. بل إن هذه الإعاقة ناشئة أصلاً عن الصراع داخل أوساط هذه الطبقة الحاكمة بالذات. تتمثل هذه الطبقة الحاكمة في كونها معبرة عن الاجتماع السياسي الغالب (الطوائف)، يستولدها ويعيد إنتاجها النظام السياسي الذي يوزع الدولة مواقع ومناصب "محاصصة عقارية" تحتكرها طوائف دون غيرها، كما تحتكر توزيعها داخل كل طائفة قيادات هذه الطوائف، فتمنحها لمن تشاء أو تحجبها عنه. وينسحب هذا الأمر من أعلى مواقع السلطة حتى أدنى سلم الوظائف العامة والخدمات. ولكن الأبرز في هذه المحاصصة الطوائفية الحصرية وأخطرها هو توزع السلطات العامة التشريعية والتنفيذية والأمنية (ومن ذلك توزع المنافع أيضاً): فرئاسة الجمهورية للمسيحيين (تختص بالموارنة)، رئاسة الحكومة للسنة، رئاسة المجلس النيابي للشيعة. ومن ذلك قيادة الجيش (وتوزيع قياداته) والأمن الداخلي وسائر الأجهزة الأمنية والمدنية... ومن هنا فإن اي تعديل في هذه المواقع يصبح على الفور مغنماً أو غبناً لهذه الطائفة أو تلك. ما يخلق عصبية الطائفية للدفاع عن "مواقع"ها المزعومة و"حقوقها" المكتسبة. وعليه فالحكم في لبنان هو نوع توازن هذه العصبيات، وهو في الحقيقة نوع من توازن العصبيات المسلحة، فكلما انفجرت أزمة عامة في لبنان اتخذت شكل الصراع الطائفي. وهذه العصبيات هي لحد كبير متكافئة فتعجز بحكم هذا التكافؤ بالذات عن تأمين السلم الأهلي، وبالتالي فهي بحاجة دوماً إلى قوة من الخارج لضبط توازنها وصراعها وفرض الاستقرار. وعلى هذا الأساس تستمر هذه العصبيات في البحث خارج لبنان عن سند (مرجعية) لها يعينها للمحافظة على "حقوق"ها أو للاستزادة منها على حساب غيرها من العصبيات. ويكون البحث عن هذا السند محكوماً عادة بالعناصر الدينية أو الثقافية أو القيم السياسية السائدة. هنا يُطرح السؤال عن معنى السيادة وقيمة الاستقلال، بل عن معنى أن يكون لبنان جمهورية مستقلة. فالمسيحيون كانوا في العادة يرون سندهم في الغرب عموماً، لا سيما وأنه هو مبتدع الكيان اللبناني وواضع أسس الجمهورية اللبنانية وضامن وجودهم على رأس السلطة (ومن ذلك القول: "فرنسا الأم الحنون"). وبالطبع فإن الغرب أسهم في إنشاء هذه الجمهورية لتؤدي دوراً في المنطقة كاستطالة له ترعى مصالحه السياسية والاقتصادية، ومنها في الطليعة الإسهام في حماية الكيان الصهيوني، ومحاصرة أنشطة الفلسطينيين والنزعات العروبية. وكان المسلمون عامة يرون في مراكز العروبة (مصر الناصرية وسورية والعراق البعثيتين والمقاومة الفلسطينية، والسعودية لحد ما) مرجعياتهم الوازنة بوجه وصاية الغرب. كان ذلك قبل صعود الشيعة كعصبية أساسية ثالثة انبنت تدريجياً في سياق الحرب الأهلية الأخيرة وخصوصاً في العقود الثلاثة الأخيرة. فلم يعد لبنان قائماً على توازن عصبيتين أساسيتين، هما المسيحيون من جهة والمسلمون من جهة أخرى. لقد تعرض توازن العصبيات في لبنان لاختلال عميق هو لحد كبير ناجم عن تغيرات جذرية في طبيعة الصراع العربي الصهيوني وتجلياته العربية والإسلامية، وعن طبيعة المشروع الغربي (الأميركي الأوروبي الصهيوني) وأدواته العربية واللبنانية. هذا فضلاً عن تغير الديمغرافيا اللبنانية الطائفية لجهة الولادات والهجرة والتجنيس، وتغير آخر مستجد في خيارات الطوائف. فلم يعد المسيحيون تلك القوة القادرة على حماية مصالح الغرب، وهذا ما تجلى في هزيمة الميليشيا المسيحية (كتائب، أحرار، قبل ولادة "القوات اللبنانية") في مواجهة المد العروبي ونصرة المقاومة الفلسطينية. لقد تحول المسيحيون من طليعة ممسكة بالقرار اللبناني وحامية لمصالح الغرب فيه إلى عبء على هذا الغرب بحاجة لمن يحميه. وتخلى الغرب عنهم في توجيه صفعة قوية لحركة العماد عون في العام 1989، ولحزب "القوات اللبنانية" بحظرها على يد حكومة الحريري عام 1994، (وبالتخلي عن ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" مع انتصار المقاومة الإسلامية في العام 2000 وتحرير القسم الأكبر من الأراضي اللبنانية المحتلة من قبل إسرائيل. وكان هذا التخلي مروعاً عبّر عنه أنطوان لحد، قائد ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" بقوله: "خدمناهم 24 سنة فتخلوا عنّا في 24 ساعة"). فتراجع دورهم تراجعاً تكرس في اتفاقية الطائف بتقليص موقع رئاسة الجمهورية التي صارت خاضعة لموقع رئاسة الحكومة التي تختص بالسنة. وعليه كانت مرحلة "الإحباط" المسيحي في زمن تقدم العصبية السنية تعبيراً عن تراجع موقعهم في التوازنات العصبية اللبنانية، في مرحلة صعود المقاومات العربية، واللبنانية منها خصوصاً. بموازاة ذلك، تقدم موقع العصبية السنية بقيادة الرئيس الحريري كممثل لحركة الرأسمال المعولم ومشروعه في لبرلة لبنان بالاستناد إلى مشروع غربي سعودي في لحظة تفاهمه مع سورية الصامدة في وجه الهجمة الغربية الصهيونية التي مثل المسيحيون طليعتها؛ كما صعد في نفس الآن نجم العصبية الشيعية كمشروع مقاومة ناجحة للعدو الصهيوني بالاستناد إلى اندراجها في المحالفة السورية الإيرانية الحاضنة للمقاومات العربية بوجه الغرب عموماً والكيان الصهيوني خصوصاً. ولقد كان الوجود السوري في لبنان الضامن لتوازن العصبيات اللبنانية الثلاث، وبالتالي الضامن لاستقرار لبنان وأمنه الداخلي. كما كان الضامن لمنع التناقضات اللبنانية حول قضايا الاقتصاد وسياسات الحماية الاجتماعية والتشكيلات الإدارية والفساد و... من التحول إلى حالة انفجارية، دون أن يعني ذلك طرح معالجة وحلول لها جاءت لصالح الغالبية اللبنانية. وفي هذا السياق كان تناقض العصبيات يجد توازنه بما يفرضه عليه الوجود السوري من ضوابط، فتتشكل الحكومات وتتعدل القوانين ويُنتخب رئيس الجمهورية، ويُمدد له ولغيره... ومع اغتيال الرئيس الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان واشتداد هجمة المشروع الأميركي الأوروبي الصهيوني لتصفية المقاومة وسحب سلاحها (خصوصاً حزب الله) وتوطين الفلسطينيين، وتحويل لبنان منصة للنيل من سورية... فقدت العصبيات اللبنانية للقوة الضابطة لتوازنها، كما تعرضت هذه العصبيات إلى تغيرات جذرية في خياراتها، وباتت الطبقة الحاكمة عاجزة عن الحكم وعن تأمين الاستقرار في البلاد. لم يطل الأمر بما سمته بولا دوبريانسكي (الخارجية الأميركية) "ثورة الأرز" أن تفككت بخروج الكتلة المسيحية (التيار الوطني الحر) الوازنة من صفوفها، خصوصاً بمفاعيل الانتخابات النيابية التي فرضتها الولايات المتحدة وفق قانون يضمن للسنية السياسية (الحريرية) التحكم بنتائجها، لا سيما مع خديعة التحالف الرباعي (أمل، حزب الله، الحزب الاشتراكي، تيار المستقبل). وهذا ما أثار العماد عون الذي سرعان ما أدرك أن الغرب يستعمل المسيحيين (واللبنانيين عموماً) "صحون كرتون" يستعملها ليرميها بعد حين. كما أدركت العصبية الشيعية الفخ الذي نُصب لها. ونجح التياران الكبيران، العصبية الشيعية والعصبية المسيحية، بإنتاج تحالف "ورقة التفاهم" لمواجهة صعود العصبية السنية المستندة إلى تقدم المشروع الغربي في المشرق العربي (دول الاعتدال العربي)، والتي جمعت خلفها القوى اللبنانية المندرجة في هذا المشروع. منذ ذلك الحين، تعيش الطوائف اللبنانية في توازن قلق للغاية يقارب حافة الانفجار. ومع انتهاء ولاية الرئيس لحود ازداد اختلال موقع العصبية المسيحية بمواجهة العصبية السنية التي آلت إليها صلاحيات رئيس الجمهورية؛ كما ازداد استبعاد العصبية الشيعية عن مركز القرار داخل الحكومة المستمرة رغم خروج الوزراء الشيعة من صفوفها. وهكذا باتت "الديمقراطية التوافقية" مجرد وهم لغياب القوة الناظمة لتناقض العصبيات اللبنانية. "الديمقراطية التوافقية" كشكل لاتحاد النخبة من كل الطوائف ليست من الديمقراطية بشيء أصلاً، ولكنها باتت معطوبة ولو كفيدرالية للطوائف. وما ذلك إلاً لأن توازن العصبيات المتارقبة في الوزن، كما هي الحال في لبنان، تنضبط في ظل قوة أقوى منها جميعها، وهذه القوة غير متوفرة بحكم طبيعة وتوازن الصراع بين المشروع الغربي ومراكز الممانعة والمواجهة الإقليمية (سورية، إيران، المقاومات). تندرج العصبية السنية (وخلفها كتلة درزية غالبة في الطائفة، واقلية مسيحية، وأكثرية نيابية مطعون بنيابتها قانونياً وأخلاقياً وسياسياً) في سياق المشروع الغربي الساعي إلى تغيير دور لبنان في الصراع مع الغرب وإلى سحب سلاح المقاومة الفلسطينية واللبنانية ومحاصرة سورية... بينما تقف ثنائية عصبية مسيحية شيعية موقفاً مناقضاً. وإذا كان "التيار الوطني الحر" يكتفي من الانتماء للعروبة بإقراره بضرورة اندراج المسيحيين في مشرقيتهم، ويكتفي بتوجيه اللوم إلى الغرب وتحميله مسؤولية ما يتعرض اللبنانيون له، فإن العصبية الشيعية تفخر بتراثها العربي والإسلامي وبتحالفها عضوياً مع المحالفة السورية الإيرانية، كما تفاخر باستعداها لمواجهة هذا الغرب بكل الأساليب التي تفترضها هذه المواجهة والمحالفة. وعلى قاعدة هذا التناقض في الاصطفاف العصبي في لبنان، حول المحاصصة الطائفية في الدولة ومغانمها، وحول وظيفة هذا الكيان ودوره في المشرق العربي والإسلامي، نفهم طبيعة الأزمة في الانتخابات الرئاسية. ولسوف تستمر هذه الأزمة على الدوام. وإن هي وجدت حلاً لها، فهو مجرد حل مؤقت مرهون بحدود التفاهم أو التناقض بين الداخل العربي الإسلامي المواجه للغرب وهذا الغرب بالذات. ومن عناصر الجدة في أمر هذه الأزمة الراهنة أنه للمرة الأولى في التاريخ الحديث للبنان تقف غالبية العصبية المسيحية إلى جانب محيطها العربي الإسلامي (المشرق بعبارات عون)، ما يستلزم بكل قوى الممانعة والمواجهة للمشاريع الغربية احتضان هذه الحالة وعدم تفويتها فرصة ليست سهلة التكرار. أما انحياز النخبة السنية لمشروع الغرب فمقتله في التراث السني الحاضن تاريخياً للأمة ولمقاوماتها. ومن هنا لا بد لما أعلنته المقاومة الإسلامية والمعارضة من اصطفافها خلف العماد عون من أن يكون تعهداً من طبيعة "الوعد الصادق". وإن كان لا بد من مساومة مع الخصم بحكم موازين القوى، فليس أفضل في الحرص على الاستقرار المؤقت، بتمرير الانتخابات الرئاسية على قاعدة توافق العصبيات الثلاث الأقوى برموزها: عون لرئاسة الجمهورية، الحريري لرئاسة الحكومة، بري لرئاسة المجلس النيابي. وما خلا ذلك لن ينتج غير توافق يأتي برئيس (قد يكون العماد سليمان أو غيره) لإدارة الأزمة على المدى القريب، لا المتوسط. |
|
المقالات تعبر عن آراء كاتبيها المصدر: مجلة العرب والعولمة جميع الحقوق محفوظة
|