|
الكفاح الوطني والنضال الاجتماعي في رؤية المقاومة اللبنانية عبد الحليم فضل الله نائب رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق نمت المقاومة اللبنانية في تربة اجتماعية خصبة، طالما رفدت النضال السياسي والاجتماعي في هذا البلد بخلاصة حيوياتها، فتمكنت من بناء تضامن شعبي حول دورها بلغ ذروته عام 2000 مع إجبارها قوات الاحتلال على إخلاء كامل الأراضي اللبنانية المحتلة عدا مزارع شبعا بعد ثماني عشرة سنة من القتال، ثم اتسع هذا التضامن ليتحول إلى تيار شعبي عارم حين ألحقت عام 2006 بدولة الاحتلال هزيمة مدوية هي الأولى من نوعها في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. ولئن كانت انطلاقة المقاومة اللبنانية عام 1982 على خلفيّة مواجهة الغزو الوحشي الشامل للأراضي اللبنانية الذي قامت به "إسرائيل"، وأدى في حينه إلى وقوع عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين، وكرست لهذه المواجهة جهدها طوال ربع قرن تقريباً، فقد حملت في أعماق وعيها، إدراكاً مبكراً لقوة العلاقة التي تربط بين مواطن القلق والتأزم التي تعاني منها المجتمعات العربية، فلا يمكن فصل الآثار السلبية للاحتلال المباشر عن تلك الناتجة عن الهيمنة الإمبراطورية التي مثّل غزو العراق أحد أعلى تجلياتها، ولا يمكن معرفة أسباب الإخفاق المشهود لمسار بناء الدولة الحديثة وتعثّر مشروع التنمية في هذه البقعة من العالم، دون ربط ذلك بضعف دولها تجاه الرياح الخارجية، ووقوعها في قلب عاصفة العولمة النيوليبرالية. وهذا يعني أنّ لكل من الهيمنة والاحتلال وفشل مشروع الدولة، نصيبه في جعل العرب لقمة سائغة في فم المشروع الاستيطاني الصهيوني المدعوم غربياً. هناك إذاً نوعان مترابطان من الاختلالات تتصدى قوى المقاومة والممانعة للتعامل معهما، وهما اللذان يمنعان قيام دول طبيعيّة في المنطقة ذات سيادة على حدودها ومسيطرة على سياساتها وقراراتها: الأول: اختلال التوازن مع "إسرائيل" المدججة بآلة عسكرية ضخمة ودعم أميركي غربي غير مألوف في تاريخ العلاقات الدولية، وهو الذي أدى ببعض الدول إلى الخضوع للهيمنة الأميركية من دون شروط، وجعل بعضها الآخر عرضةً لأنواع مختلفة من القهر والإرهاب والغزو والاستيطان والاحتلال والحصار؛ ويتمثل الثاني في اختلال التوازنات المحليّة؛ فالركائز الاجتماعية لمعظم أنظمة المنطقة تضيق شيئاً فشيئاً، متأثرة على نحو خاص بالتدخلات الأجنبية الكثيفة، الباحثة ولا تزال عن مواطئ أقدام لنفوذها، وفي معظم أرجاء المنطقة غدت الدولة مجرد طبقة خارجية رقيقة تغطي شبكات مصالح متداخلة، ترتبط بهذه الطريقة أو تلك بالقوى المتحكمة بحركة الأسواق المعولمة. ناهيك بأنّ الاتفاقات "السلميّة" التي عقدتها الحكومات العربية لم تسفر عن ايّة تهدئة في رد العدوان، إنما أسفرت عن تطبيق إعادة الهيكلة الاقتصادية النيوليبرالية. وطوال الوقت كان الاختلال في الميزان الاجتماعي وثيق الصلة بالاختلال الآخر في موازين القوى، فالأنظمة الموالية للغرب تسلّحت في الماضي بالصراع مع العدو لمنع النضال الاجتماعي الهادف إلى الإصلاح والتنمية، وها هي تتسلح اليوم بشعار السلام والتسوية، للغاية نفسها، في منطقة هي أحوج ما تكون إلى كفاح اجتماعي دؤوب، يساعد على إطلاق سراح القرار الاقتصادي والاجتماعي، من يد فئات صغيرة استحوذت عليه بلا مسوغ ومن دون تفويض. لقد حققت قوى المقاومة انجازاً هاماً، حينما كسرت احتكار الأنظمة لقضية الصراع مع "إسرائيل"، فجعلت النضال الوطني التحريري الهادف إلى رد العدوان، حافزاً للنضال الاجتماعي التحرري الهادف إلى بناء دولة قوية تتحكم بمواردها وثرواتها وقادرة على وضع سياساتها بنفسها، وتختار دون وصاية أي طريق ستسلكه وأي تحالفات أو علاقات مع الخارج ستقيمهما. وبذلك تكون المنطقة قد تقدمت خطوة على طريق إعادة بناء التوازن الاستراتيجي الذي يميل بشدّة لصالح دولة الاحتلال، وخطوة أيضا في اتجاه ترميم التوازنات الاجتماعية التي لا بد منها للوقوف في وجه هيمنة وتمدد الليبرالية المتطرفة الساعية إلى تفريغ السياسيات المحلية في كل مكان من مضمونها الاجتماعي والإنساني، وتحريف مسألة الإصلاح لتكون غايتها إطلاق يد الاحتكارات العالمية في الدول الضعيفة والهشّة، وليس كما هو مفترض تمكين الأفراد والمجتمعات من نيل حقوقهم وتلبية احتياجاتهم. وفي هذا السياق، كانت دعوة حزب الله الذي قاد ويقود معركة التحرر والتحرير الوطنيّين في لبنان، إلى قيام دولة قوية عادلة، وقد أكد أمينه العام سماحة السيد حسن نصر الله أكثر من مرة، على أن تحدي النهوض والبناء وثيق الصلة بالدفاع عن السيادة في وجه المشروع الصهيوني التوسعي، وأنّ السلطة التي تهدر الثروات الوطنية وتفرّط بالموارد الحيوية ولا سيما من خلال الخصخصة غير العادلة، هي نفسها التي لا تحرّك ساكناً في وجه العدوان الخارجي وترضى بالخضوع والتبعيّة. الدولة القوية والعادلة بنظر حزب الله هي التي تعالج مشاكل سوء توزيع الثروة، والحرمان والإقصاء والفقر وعدم التوازن في التنمية، وتناضل في آن معاً ضد أشكال الهيمنة والنهب المنظم للثروات، ولا تقبل العمل وسيطاً او سمساراً لصالح الشركات الكبرى متعددة الجنسيات، وهي التي ترفض بشدّة تحرير أسواق العمل، وتخفيض الأجور، والخصخصة العشوائية، وترك حبل الاحتكار على غاربه، وتحويل المرافق العامة إلى حصص يتقاسمها النافذون، وتعي أيضاً مخاطر المعاهدات والاتفاقيات الدولية غير المتكافئة وتتعامل بحذر مع المنظمات المالية والتجارية الدولية التي أنشئت بالأساس لتحقق مصالح دول المركز الغنيّة على حساب مصالح سائر الدول. على هذه الدولة ان تؤدي إذاً، دوراً أساسياً في ضبط التوازنات الاجتماعية والاقتصادية، وأن تتصدى للظلم الاجتماعي تصديها للعدوان الخارجي، وأن تعمل على تعزيز مكاسب الفئات والشرائح الضعيفة، وتكافح الامتيازات غير المنصفة، وتعزز روابطها مع الدول النامية في إطار معارضة العولمة الليبرالية غير المتكافئة. ولطالما دعا حزب الله إلى اعتماد مفهوم موسع للتنمية قوامه التوازن في توزيع عوائد النشاط الاقتصادي وأعبائه، من دون أن يعد ذلك بالضرورة مرافعة ضد حرية السوق ورفضاً للانفتاح على الخارج. وبالخلاصة، تشكّل المقاومة اليوم ضمانة بأن يظلّ المنطق الاجتماعي حاضراً وقوياً بما فيه الكفاية لجعل الإصلاح جزءاً لا يتجزأ من السياسات العامة للدولة، خصوصاً وأن المقاومة تحولت مع الوقت إلى حيوية واسعة تشدّ إليها معظم الحيويات المعوّل عليها في إنجاز هذه المهمّة، ولو تمعّنا في حدود الانقسام السياسي في لبنان اليوم، كمثال على الانقسامات في المنطقة، للاحظنا أنه يترافق مع انقسام في الرؤية الاجتماعية لفريقين متقابلين، يجمع الأول بين مناهضة الاحتلال والهيمنة وبين منظور اجتماعي النزعة للنظام السياسي/ الاقتصادي، بينما يسلك الثاني طريقاً يربط ما بين التبعيّة للغرب والليبرالية المغرقة. أخيراً، إنّ مبدأ العدالة بالنظر إلى إسلامية المقاومة ليس هدفاً سياسياً أو أخلاقياً أو إيديولوجياً فحسب، بل هو مكون ثابت وجزء لا يتجزأ من نظام فكري مشدود إلى ثلاث قيم رئيسية: العبودية لله الواحد التي تحرر الإنسان من كل أنواع العبوديات الأخرى، الأخوة والمساواة غايةً بشرية متعالية وسبباً في تماسك الجماعات واستقرارها، ورفض الظلم والسعي إلى تجسيد فكرة العدل، وذلك في إطار سياسي واجتماعي متكامل يصون القيم الكبرى التي من أجلها بعثت الديانات. هذا ما عملت عليه المقاومة في لبنان وهذا ما ستسعى دوماً إلى تحقيقه. 15-11-2007 |
|
المقالات تعبر عن آراء كاتبيها المصدر: مجلة العرب والعولمة جميع الحقوق محفوظة
|