أنابوليس... قمة الخليج الأخيرة

التموضعات الجديدة للحلف السوري– الإيراني

رشيد كركر، محام

طرابلس، لبنان

إن اللحظة كوحدة قياس للزمن لا تصنع التحولات الكبرى في التاريخ، لكنه لكثافة توالد وتوالي أحداثه في سياق منتظم وصاعد يعطيها وظيفة أخرى رمزية الشكل ودلالية المعنى من خلال كونها مساحة يتخلق فيها الحدث فتكتسب حينها رمزيتها كمحطة أولى في مسيرة تزمنية.

فمما لا شك فيه أن حضور سوريا مؤتمر أنابوليس ومشاركة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في القمة الخليجية هما لحظة إعلان لحدث يؤشر الى تحولات إستراتيجية في المنطقة لكنها ليستا لحظة تشكله.

فسوريا التي عانت حصاراً سياسياً منذ تولي إدارة بوش مسؤولية السياسة الخارجية الأميركية، وكان من أحد أبرز أهداف ضرب العراق وإسقاط نظامه تدجينها وإدخالها مشروع الشرق الأوسط الجديد إبتداءً والإعتدال العربي تالياً قسراً وإسقاط لكل شروطها. ها هو مشروع الإعتدال العربي وريث الشرق أوسطية يبلغها من خلال رسوله الهاشمي ملك الأردن عدم ممانعته ببحث أجندتها ورغبة بعودتها الى الحاضنة الدولية.

 وبين الرغبتين، رغبة العزل ورغبة العودة، لجأت كل من الولايات المتحدة وسوريا الى خياراتها القصوى ولم تتراجع قصوية تلك الخيارات إلا في إستراحة الدبلوماسية التركية التي أجاز لها بوش دون غيرها ومنذ أن كان على رأس هذه الدبلوماسية عبد الله غول أن تكون قناة الإتصال الوحيدة أحياناً مع دمشق.

أدركت دمشق منذ بداية الغزو الإميركي للعراق أن هدفه الإستراتيجي الوحيد على المدى المتوسط هو السيطرة المباشرة على النفط العراقي. وأن هدفه القريب هو نهب ما أمكن من ثروات النفط العراقي. ولم تسقط من حساباتها الهدف الأبعد وهو ضمان التحكم بأسعار النفط عالمياً سعياً للإمساك بمقدرات الإقتصاد العالمي. كما أدركت بالمقابل أنه لتحقيق ذلك لا بد من تحقيق إستقرار أمني شرطه قيام تسوية سياسية لا تستقيم دون دور ومشاركة قوية لسوريا.

فسعت دمشق حينها الى الإمساك بما تيسر لها من أوراق عراقية، ونجحت نجاحاً ملفتاً في اثنتين: الأولى ورقة اللاجئين العراقيين والثانية ورقة بعض المقاومة العراقية.

وفي الثانية راقبت كتائب الموت التابعة للقاعدة وأخواتها وهي تعبر لتحقيق هدفها الوحيد وهو الموت لأجله. وهدف آخر لم تدركه ولن تستطيع أن تدركه تلك السرايا لأسباب معروفة ألا وهو خلق بيئة رافضة للإحتلال. الهدف الثاني وهو بعينه ما كانت تسعى إليه دمشق من أجل بناء مشروع مقاومة بأجندة سياسية ليست بعيدة عن أهدافها الإستراتيجية في العراق. ونجحت في ذلك نجاحاً إعترف به الأميركيون بعدما باتوا يراقبون كيف أن عمليات المقاومة منتظمة على وقع المسار السياسي وهذا أمر عجزت حركات الإسلام السياسي السني عن بلوغه لأنها تريد جنة السماء دون جنة الأرض.

وفي لبنان أوكلت سوريا بعد خروجها منه الى حليفها الإستراتيجي حزب الله مهمة منع عودته خاصرة رخوة لها على المستويين السياسي والعسكري فنجح في الإثنتين معاً. فعلى المستوى السياسي شكل من خلال تحالفه مع التيار الوطني وسائر الطيف الوطني والإسلامي السني والأدبيات السياسية التي أطلقها المعزز بالحاضنة الشعبية حالة منعت تهافت المشروع السياسي الموالي لها. كما أن نتائج حرب تموز حالت دون تحقيق هدف الحرب الإستراتيجي وهو جعل خط العبور الى التلال المشرفة على دمشق فارغاً من عناصر قوته وضرب القوة الرئيسية المرابطة فيه وهي حزب الله ومقاومته.

نتائج الإشتباك السياسي والعسكري في لبنان بما إنتهت إليه دفعت بالولايات المتحدة الإميركية الى مقاربة مختلفة لوضع ووضعية حلفائها في لبنان فحولتهم الى أسهم بأسعار لا بأس بها في بازار البيع والشراء المفتوح بينها وبين دمشق.

وخدمة للهدف نفسه وهو رفع قيمة الأسهم الأميركية في بورصة الإشتباك السياسي القائم مع دمشق، كانت خطوة توجيه ضربة عسكرية لمواقع قيل أنها تعد لبناء مفاعل نووي سوري بمساعدة كورية.

ولأن سوريا، ليست كبعض الذين يدورون في فلكها من حركات إسلامية ويسارية، إندفعت الى سلوك مسار الحل السياسي مع الولايات المتحدة ولم تتخلّ عن مباركة نمط عمليات المقاومة المقننة في العراق. فكانت زيارة الرئيس بشار الأسد الى تركيا البلد الذي قالت بعض المعلومات أن الطائرات التي هاجمت الأهداف السورية إنطلقت منه أو أقله عبرت أجوائه.

ومع ذلك أراد الأسد أن يجيب الراغبين بمفاوضته من خلال ما رمته طائراتهم أنه على إستعداد أن يطلق لدبلوماسيته العنان ولكن ضمن سلة متكاملة تبدأ من العراق وتمر بالجولان حكماً وعفواً وتنتهي بلبنان دون إسقاط المطالبة بحاجة سورية الى إستثمارات دولية في إقتصادها.

إلتقت رايس وزير خارجية سوريا، على هامش مؤتمر جوار العراق الذي إنعقد في إسطنبول، بعد أن إطمأنت الى ثبات التعاطي السوري في العراق. وكان واضحاً أن مشاركة سوريا في مؤتمر أنابوليس كانت البند الأبرز على جدول الأعمال. فالولايات المتحدة كان يهمها نجاح المؤتمر ونجاحه رهن بالمشاركة العربية الواسعة وهذه المشاركة لن تتأمن دون الحضور السعودي وهذه الأخيرة لن تحضر دون إجماع عربي أمنته دمشق بموافقتها على المشاركة ولو بالمستوى الذي تمثلت فيه.

بدا واضحاً أن السلوك السوري في العراق ومساعدته على تأمين الإجماع العربي في مؤتمر أنابوليس إنعكس إنفراجاً في ملفين ضاغطين على سوريا وهما الجولان الذي قبلت الولايات المتحدة المشاركة في مؤتمر دولي خاص به سيعقد في موسكو، ولبنان الذي شهد الموقف الأميركي حياله إنزياحاً كاملاً.

فمن إنتخاب الرئيس بالنصف زائد واحد الى ضرورة التوافق على رئيس. هذا الإنزياح فطن له رئيس اللقاء الديمقراطي فدعا حلفاءه الى القبول بتسوية أفضل الممكن.

إن الموقع الذي إنتهت إليه سوريا ساهمت إيران مساهمة فعالة في وصول دمشق إليه من خلال الدعم الذي قدمته مباشرة أو في الساحتين العراقية واللبنانية أو حتى حين لعبت طهران دور ناقل الرسائل بين المجتمع الدولي وسوريا.

من هنا نستطيع القول إن حضور سوريا لمؤتمر أنابوليس بعدم رغبة إيرانية ليس بداية إنفكاك المسارين وتفككهما بقدر ما هو تتويج لمسار من المواجهة المشتركة التي خاضاها حيال خصومهم، إنتهت الى تحقيق الإستراتيجية السورية بالعودة للعب دورها الإقليمي، ولتحقيق الإستراتيجية الإيرانية القائمة على حمل المجتمع الدولي للقبول بشروط عضويتها كقوة كبرى في المنطقة.

لقد كان وقع تقرير الإستخبارات العسكرية الأميركية بشأن البرنامج النووي الإيراني ومشاركة الرئيس الإيراني في القمة الخليجية وكلمته التي كانت بإمتياز تلاوة إسلامية لمقولات حكماء فارس تجاه منطقة الخليج العربي، تماماً كوقع نتائج حرب تموزعلى الكيان الإسرائيلي. فلقد عادت الأسئلة الوجودية لتتطرح نفسها وبقوة داخل إسرائيل فذهبت بأحد المحللين في جريدة هاّرتس للقول إثرها "على إسرائيل أن تعيد بناء قضيتها" أي أنه على إسرائيل أن تعيد تعريف دورها في منطقة الشرق الأوسط.

إن ما تم رصده آنفاً لا يعني البتة أن طرفاً قد ألحق هزيمة بطرف آخر كما يحلو لأصحاب الخطاب الشعاراتي الإدعاء، بل إنما يعني بكل واقعية أن طرفاً إستطاع أن يمنع إسقاطه من المعادلة الإقليمية ويضيف الى حيثيته عناصر جديدة ويسقط إستراتيجية التغيير بالقوة العسكرية. فسوريا وإيران بقدر ما حققتاه من نتائج مركزة في جولات صراعهم مع المشروع الدموي الأميركي معنيتان بتحقيق نتائج من الطبيعة عينها في الإشتباك الدبلوماسي الآتي، خصوصاً وأن أسلحة جديدة للضغط بدت في الأفق وعاد الحديث عنها وبخاصة حيال إيران.

والسؤال الذي يطرح اليوم على سوريا هو هل ستستطيع بما أضافته الى أوراقها نتائج حرب تموز في لبنان ومسار المقاومة في العراق وعلاقتها الإيجابية مع تركيا أن تحسن توظيفها في معركة إستعادة الجولان والنفوذ في لبنان وجذب 35 مليار دولار التي يحتاجها الإقتصاد السوري ليحقق معدلات نموه المرجوة وهي التي إستطاعت أن تستعيد دورها السياسي والمحوري الذي كانت تلعبه إبان حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد؟

كما أن السؤال الذي يطرح على إيران أحمدي نجاد أو أي رئيس آخر هو هل يستطيع أن يوظف حاجة روسيا الإستراتيجية وحاجة الصين النفطية ونفوذها في العراق وتكنولوجيتها العسكرية في خدمة تأمين إستراتيجيتها العسكرية و150 مليار دولار إستثمارات دولية التي تحدث عنها وزير ماليتها مؤخراً؟

وأخيراً وقفزاً على مسار المقالة متى يدرك جنرال الرابية أن إحداثيات التوزيع الجديد للقوة الإقليمية لن يفضي الى تغيير في المعادلة السياسية التي تحكم لبنان والمعبر عنها بالثنائية الشيعية- السنية التي حدد أمين عام حزب الله سقف المشاركة الشيعية فيها بحصرها في القرارات الإستراتيجية الكبرى دون غيرها لقناعة عميقة بعدم القدرة على تسيير سائرها دون الشريك السني القوي وبخاصة معادلتها الإقتصادية؟ وأن هناك أسباباً موضوعية تجعل حتى الحديث عن المثالثة زجل لبناني لا يليق بقارئ جيد للتاريخ مثله؟

طرابلس في 8-12-2007

 

أقترح الإستراحات التالية :

- بدا واضحاً أن السلوك السوري في العراق ومساعدته على تأمين الإجماع العربي في مؤتمر أنابوليس إنعكس إنفراجاً في ملفين ضاغطين على سوريا وهما الجولان الذي قبلت الولايات المتحدة المشاركة في مؤتمر دولي خاص به سيعقد في موسكو، ولبنان الذي شهد الموقف الأميركي حياله إنزياحاً كاملاً.

 - إن حضور سوريا لمؤتمر أنابوليس بعدم رغبة إيرانية ليس بداية إنفكاك المسارين وتفككهما بقدر ما هو تتويج لمسار من المواجهة المشتركة التي خاضاها حيال خصومهم.

- لا يمكن القول أن طرفاً قد ألحق هزيمة بطرف آخر، إنما بكل واقعية هناك طرف إستطاع أن يمنع إسقاطه من المعادلة الإقليمية.

أقترح الصور التالية :

-       صورة تجمع رايس بوليد المعلم

-       صورة أحمدي نجاد مع ملك السعودية في قمة الخليج الأخيرة.

 

المقالات تعبر عن آراء كاتبيها

المصدر: مجلة العرب والعولمة

جميع الحقوق محفوظة

 

البريد الإلكتروني