|
أميركا والانتحار دبلان حمية يتساءل المرء عن سر تربع الولايات المتحدة الأميركية السريع في بضعة قرون على عرش العالم الضارب في الزمن آلاف السنين، ويحاول أن يعرف مراحل تطورها ونموها وأنماط سلوكها فيعود بالذاكرة الى بدايات تاريخ هذه الدولة المراهقة من حوالي 400 سنة، أي الزمن الذي نهب فيه "كولومبس" "الأرض الجديدة" لحساب ملك إسبانيا، ونهب «بالبو» قبائل أميركا الوسطى، ونهب «كورتيز» المكسيك... إنه الزمن الذي اشتهرت فيه أساطيل جبل الذهب فصبت قناطير الذهب الخالص على شكل سرير تستقبل عليه الملكة ايزابيلا الثانية عشاقها.
وذاعت أخبار العالم الجديد وكنوزه وخيراته وتنافس الملوك بارسال المغامرين في مهام سلب ونهب وتدافع الباحثون عن الثروة والكسب السريع والخارجون على القانون فخرجوا جماعات ومجموعات من عدة بلدان أوروبية زاعمين أنهم في مهمة مقدسة. فالأرض الجديدة هي أرض الميعاد، والوعد بها وعد إلهي. وحملوا معهم مفهوم الشعب المختار حيث يكلف رب الجنود شعبه مهمة ذبح الملايين من الهنود الحمر وتجريدهم من أراضيهم. وبعدما رست بواخرهم على الشواطيء الأميركية توغلوا في قوافل وطوابير نحو الغرب الأميركي يخرجون الهنود الحمر سكان البلاد الأصليين من "الوحشية والبربرية والظلمات" إلى الحضارة ومن البربرية البدائية والتخلف الى التقدم والرقي بسلخ جلودهم وأكل لحومهم...
ولما تهيأ موطئ القدم لهم في الأرض الجديدة استقدموا أبناء القارة الافريقية عراة حفاة بعد جمعهم في زرائب وحشوهم في بواخر بعضهم على بعض يموتون فيها اختناقاً أو جوعاً أو برمي أنفسهم في البحار والمحيطات طعاماً لحيوانات البحر ومن ينجو من السود ويصل الى القارة الجديدة يباع ويشرى رقيقاً في أبشع تجارة ويمارس به وعليه أشنع استعباد واستغلال.
إن الولايات المتحدة الأميركية أسسها مهاجرون أوروبيون يسمون الآباء المؤسسين احتلوا اراضي الهنود الحمر وسطوا على خيراتهم وكنوزهم وعملوا على محو تاريخهم ولغتهم واذاقوا الأفارقة السود أصناف العذاب والاذلال والاستعباد، فشكلوا مثلثهم من قارات ثلاث: أوروبا وأميركا وإفريقيا. وضاق جشع هؤلاء المؤسسين بأصولهم الأوروبية فأداروا الظهر الى اسبانيا والبرتغال وبريطانيا وفرنسا وتدرجوا من أفراد الى جماعات الى مدن وولايات ارتدت على منابتها الأوروبية وطردت شركاءها في الجريمة واستقلت مستفردة مستحوذة على الأرض وخيراتها وعلى البشر وحضارتهم، ثم شكلوا دولتهم المتحدة التي راحت تتوسع وتتضخم على حساب الأقرب إليها، أي أميركا الوسطى ثم الأقل بعداً أي أميركا اللاتينية. فاقتلعت قبائل كاملة من مواطنها في فنزويلا...، وتحولت أميركا اللاتينية الى حديقة خلفية للولايات المتحدة الأميركية.
وعلى ثالوث الاحتلال الاستيطاني والابادة الجماعية واسترقاق السود دخلت الولايات المتحدة الأميركية الحرب العالمية وألقت القنابل النووية رمز الابادة الجماعية الوحشية على هيروشيما وناكازاكي فحفر التاريخ اسمها أنها الدولة الأولى والوحيدة في العالم التي استعملت هذا السلاح. وبهذا النموذج الوحشي قدمت نفسها للعالم لارهاب صديقها قبل عدوها، وشكلت مع الدول المنتصرة في الحرب العالمية عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة وتقاسمت الحصص فيما بينها وتوازعت العالم مناطق نفوذ وسيطرة واحتلال وانتداب، ثم انقضت على حلفائها بريطانيا وفرنسا. وفي نفس الآن نشرت قواعدها العسكرية بذريعة حماية العالم الحر من الدب السوفياتي القادم من الشرق. وراحت تمص دماء وتعب وعناء الشعوب في كوريا وكمبوديا ولاوس وفيتنام... وحمل الزمن لها تفكك الاتحاد السوفياتي فتربعت على عرش العالم وأصبحت القطب الأول القابض على هيئة الأمم وعلى مجلس الأمن جاعلة منه إدارة تنفيذية لأطماعها ومصالحها وسيطرتها. وإذا ما حاول أن يقف في وجهها ولا ينغمس في حروبها ويغسل يديه من فعلها فإنها ترفسه داعيةً مرة الى اصلاحه واعادة هيكلته ومرة الى فرطه واعتباره عائقاً أمام تطور البشرية.
إن الولايات المتحدة أجرت صلحاً تاريخياً بين الرأسمالي والمفكر، حيث سلم المفكر فكره الى راعي البقر، وانحدر مفكرون الى خدام احترفوا تهييج القوة العارية واستعملوا وسائل التطويع النفسي والترويض الذهني التدريجي لاغتيال القيم الانسانية واغتيال وظائف الوسائل المصرفية والاعلامية بتغليب الصورة المعرفية على الفكرة وتغليب الانطباع على الاقناع واعطاء دور أكبر من التأثير على حساب دور أكبر من الحقيقة وجعل السياسة مسرحاً والسياسي ممثلاً، فصار الجواسيس أدباء وعظماء.
إن الولايات المتحدة الأميركية ذات خبرة تاريخية من عمر نشأتها في الابادة والقتل وفي السلب والاحتلال وفي الخداع والتضليل، فبهرت العالم بثقافة تمجيد القوة. فالمجد للكاوبوي الذي يقتل الهندي الأحمر، ابن البلد الأصيل، بمهارة ودقة وسرعة. والحضارة هي القاتل الذي يجعل جريمته فضيلة ويجعل ضحيته مجرماً وقاتلاً. وهي اللص الذي يبارك العالم له سرقته ونهبه ويدعو للتماثل مع شريعته. والعظمة لتاجر الرقيق والجلاد، وللكواسر التي تخرق الأجواء وللغيلان التي تجوب القارات وتختصر المسافات وتحول الناس الى جثث وجماجم وأشلاء. ومن تكتب لهم النجاة من الصواريخ والقنابل الحارقة وكل أسلحة الدمار عليهم أن يتقاتلوا مذاهب وأعراق وألوان ولغات. وكل ذلك لنشر ثقافة الحياة ومباديء الديمقراطية والحريات. واليوم في أوائل القرن الحادي والعشرين ما زال الحلم الذي راود السود في مسيرتهم 1963 في الولايات المتحدة الأميريكية ما زال أبعد، والهنود الحمر الذي لم تقض عليهم مشاريع الدمج والاندماج في الدين وفي الدولة ما زالوا في معازلهم ومحمياتهم يناضلون متمسكين بهوياتهم ولغاتهم وثقافاتهم تئن نفوسهم من التمييز القاسي.
إن الولايات المتحدة تحاول أن تمحو التاريخ وأن تطمس انسانية الانسان وان تزيل أمماً وثقافاتٍ ولغاتٍ وحضاراتٍ على وجه المعمورة... وأن تحطم كل الذين يحتفظون بنظام قيم أخلاقي انساني مقابل لنظام قيم السوق، وأن تسحق كل من لديه عقل رافض.
إن الولايات المتحدة التي تفوح منها رائحة المخدرات، بخور المعبد الجديد لوحدانية السوق، فضحتها أسلحة العراق للدمار الشامل. إن الولايات المتحدة التي انطفأ الانسان فيها وسكنها البطر جمعت ضعاف العقول الذين راق لهم خداعها فقدسوا فوارق اللون أو الجنس أو الدين، وعبدوا خطوطاً رسمها مستبد أو مستعمر على الرمال أو على الورق أو في الهواء وسموها حدوداً بين الأخوة والأهل والناس.
ضمت الولايات المتحدة إلى جحافلها أهل النفاق الزاعمين أن حروب أميركا مع سواها هي حروب ضد الظلمة أو بين الأعداء... أو أنها فتنة النجاة منها بسيف من خشب أو بالوقوف على التل أو أن خير الأمور هو الوسط وأن بين أميركا وأعدائها مساحة اعتدال ومنطقة وسط، وأن بين أميركا وأعدائها طريق يوصل لتحقيق مطالب وطنية أو قومية أو طائفية. بل يدعو بعض أهل النفاق الى مسايرة الغول والوحش والانحياز الى جانبه على رجاء أن ينالوا فتات وطن أو فتات سلطة أو... والحق أن المنافقين والأميركيين من نفس معدن مقايضة دماء شعب ما لمصلحة فئة أو طائفة أو قوم، فبالاضافة الى سفالة مبدأ المقايضة ولا انسانيته فالخسران نصيبه حتماً لأنه عرضه للانقضاض عليه من قبل الأميركي. وصدق الترك حين خاطبوا الغرب قائلين: لقد نفخنا معكم في القرب فلم ترقصوا... وحزنا معكم فلم تبكوا.
إن الباطل وأهله والنفاق وأهله جمعوا جموعهم في الشركة العالمية الصهيونية الأميركية للظلم والعدوان على شكل إخطبوط. وهم يرقصون فرادى ومجتمعين، ثروة وسلطة، على دماء وجثث شعوب العالم، ويتلونون أفاعي ويضعون على وجوههم مساحيق التزيين ومراهم التجميل ويحرفون الكلم ويتلاعبون بالحقائق.
لكن أحرار العالم يستمدون الطهر والنقاوة من تطور التاريخ الانساني في الدعوة الى السلم والسلام الى التآخي والتوحد والى الترقي الروحي والمادي وتتطهر هذه الروحية السامية في أميركا اللاتينية التي باشر هوغو شافيز رحلة انعتاقها من السطوة الأميركية، وفي مناهضي العولمة والحروب الذين تضرب أقدامهم شوارع نيويورك وواشنطن وسياتل كما شوارع لندن ومدريد وباريس وروما.
إن هؤلاء السائرين بخطى ثابتة متحررين من القيود الوطنية والقومية والثقافية والطائفية أعلنوا الحرب على الرأسمالية المتوحشة مطالبين بإعفاء الدول الفقيرة من ديونها مطالبين بالعدالة الانسانية كاشفين زيف من يتحكمون بهم ومن يحكمون باسمهم شعوب العالم أو يكتفون بحكم حكام العالم.
إن السائرين نحو العدالة الدولية زادهم عزماً سقوط الأقنعة عن وجوه حكامهم السافرة الذين ارتدوا على الانجازات والمكتسبات الانسانية فنشروا عيوناً تراقب المواطنين في الشوارع والطرقات بكاميرات المراقبة وعمموا الآذان يحصون بها أنفاس الناس يسترقون السمع ويتنصتون على الكبيرة والصغيرة، وحجزوا حريات وغيروا قوانين وتفننوا في وسائل الإذلال والتعذيب في سجون أبو غريب وفي غوانتاناموا وفي سجون سرية يحتالون بها وينفلتون من القوانين الوطنية والدولية ومن كل الأعراف والمواثيق.
إن "غزوة أيلول" فضحت المنافقين والوسطيين والمعتدلين الذين يكذبون على الناس وعلى الحق وعلى الله وأولئك الذين يعتقدون أن كل الرذائل ودواعي الحطة في أقوامهم وفي مخالفي السياسة الأميركية. لقد جرفت "غزوة أيلول" مزاعم الواقعية السياسية ومراعاة موازين القوى المحلية والاقليمية والدولية. فقد أصبح العقل محتلاً ومهزوماً من داخله، وأضحى الجواسيس علماء، وأضحت الخيانة وجهة نظر. كما أن "غزوة أيلول" عرت معسكر الشر الممتد من نصوص الهيكل ونيرون وهولاكو وفرعون الى لصوص بوش وزبائنه وكلابه.
ولما اهتاج الوحش الأميركي فألقى الحمم والنيران على أفغانستان وبعدها القنابل الذكية والسلاح المنضب والمخضب على بغداد وبلاد ما بين النهرين وعلى وقع صياح أميركا ظهر النفاق واشرأبّ برأسه وأعمل سلاحه الأمضى والأفتك في جسد العراق أنه سلاح الفتنة بين طوائف ومذاهب وأعراق العراقيين وعلق الوحش وربعه أملاً كبيراً على الاصطدام فيما بين الناس جميعاً للتخلص من قواهم جميعاً.
وارتاح الكاوبوي وظن أنه حقق على أرض الواقع دعوة لورا هاملتون في كتابها كشف المستقبل في يوم النهاية يتم القضاء على بابل العظيمة... عاصمة ضد المسيح وأن بابل لا تسكن بل تصير خربة بالتمام، وحانت اللحظة كي يعيد بوش الى صورته الاعتبار عندما خاف ركوب الطائرة وغاب عن السمع والبصر في مخبأ سري أخرجته منه توسلات أمه فظهر رامبو وعاد الى بيته الأبيض الذي هجره في الحادي عشر من أيلول 2001 لذلك عمد بعد دخوله بغداد الى لباس الحرب وانتصب بين العساكر وعلى متن حاملة طائرات وبلهجة الامبراطور سيد الكون معلناً انتهاء الحرب وتحقيق النصر منتظراً أن تتدافع الشعوب والأمم من العالم كافة لتقديم الولاء له وفرض السمع والطاعة.
لكن الخيبة أذهلته فالملايين غطت أصقاع الدنيا تصرخ بأعلى الصوت: بوش كذاب وقاتل، بوش ضد المسيح وعدو الإنسان. ووسط هذا اللحن الأممي بدأت ولايات أفغانستان تسدد الضربات قوية لجنوده وجنود أتباعه، وعلى ايقاع الملايين الهادرة أحدث شعب العراق الصدمة والرعب وتفجر لآليء بهية تعري معسكر الشر والنفاق وتكشف الحقائق سواطع في مشهد الكون.
فهاج الوحش من جديد وشن حرباً عالية بالجيش الذي لا يقهر على فتية آمنوا بالله والإنسان، سلاحهم الأصيل والاساسي ثبات الموقف ورسوخ الايمان في مقارعة الترسانات العسكرية المتطورة والحديثة، هؤلاء الفتية بناة الغد الأحلى الذين سيغيرون الدنيا وتمضي الانسانية معهم وتنتصر أنهم الفئة القليلة، أنهم رجال الله الذين أصابوا الوحش اصابات مباشرة في القناعة واخفقوه في مشاريعه وأردوه في أزمة نفسية يسكنه هاجس تخوفات أرنولد توينبي حين قال: صحيح أن الوحدة الاسلامية نائمة لكن هاجس النائم قد يستيقظ اذا ثارت البروليتاريا العالمية للعالم المتغرب ضد السيطرة الغربية ونادت بزعامة معادية للغرب فقد يكون لهذا النداء نتائج نفسية لا حصر لها في ايقاظ روح الاسلام... حتى ولو أنها نائمة نومة أهل الكهف.
إن قوى الخير مقاومة ومواجهة ومتظاهرة من سبارتاكوس محرر العبيد ومن تشي غيفارا سراج الثائرين الى حسرات كولومبوس حبيس الغدر في باريس الى راشيل كوري حبيبة فلسطين الى عباس الموسوي السيد الأمين الى شهداء الوعد الصادق بنبل أقدامهم التي يتشرف بها الشرف. إن أهل الخير على تنوعهم الحالي والراهن في تصاعد أفقي وعمودي ماضون إلى النصر على هدير غضبهم الساطع على مدى الآفاق "الدم أقوى من السيف" والإيمان ينتصر على الآلة. ان السائرين باطراد وعزم نحو تحقيق العدالة يدركون أن الوحش الجريح الخائف على بيوت عنكبوت نسجها في داخل الولايات المتحدة وفي خارجها من قوى الظلم والاستكبار سيتعرض الى أكثر من فشل وعدم تحقيق الأهداف وعدم النصر الى هزيمة نكراء عندما يهرب الى الأمام ويلجأ الى انتحار كوني وشيكاً فشراسته تتفاقم مع كل نقص في طاعته ومع كل تحدٍ لهيبته فيطلق جنونه الى أقصاه. ان أميركا عدوة الشعوب، أميركا الشيطان الأكبر، أميركا هذه لها يوم لا مرد له، يوم تصدع وانفراط وتبعثر غير بعيد. وان غداً لناظره قريب، والصبح آتٍ. |
|
المقالات تعبر عن آراء كاتبيها المصدر: مجلة العرب والعولمة جميع الحقوق محفوظة
|