سمير أمين يمكن بالنضال بلورة بديل إيجابي

المناهضون للعولمة يواجهون تحدي الانتقال من المقاومة إلى الهجوم

 

على هامش فعاليات منتدى العولمة والتنمية غير المتكافئة، الذي انعقد في العاصمة الاسبانية مدريد، مؤخرا، يقوم المفكر العربي والعالمي البارز سمير أمين، الأمين العام لمنتدى البدائل العالمي، وهو شبكة عالمية لمراكز البحث والمثقفين الملتزمين تم إنشاؤه عام 1997، في هذا الحوار الذي ينشره موقع «ربليون» الإلكتروني ـ يقوم بتحليل وضع الحركات المناهضة للرأسمالية وآفاق المستقبل.

وفيما يلي نص الحوار:

- س: قبل روستوك، بدت الحركات المناهضة للعولمة النيوليبرالية وكأنها منتهية. لكن في روستوك خرج 100 ألف شخص إلى الشارع رافعين شعارات مناهضة لمجموعة الثماني. كيف ترون وضع الحركة على المستويين السياسي والاجتماعي؟

- ج: تبلورت الليبرالية مجسدة في الهجوم الرأسمالي والإمبريالي طوال ثمانينات القرن الماضي، لكنها تطورت في عام 1990، وهنا لابد من التشديد على أن ردود أفعال المقاومة تطورت على عجل. فمنذ منتصف التسعينات، انتشرت الحركات المقاومة لهذا الهجوم عبر العالم كله، وأخذت شكل «المنتدى الاجتماعي العالمي».

واعتبارا من عام 2001 راحت تعقد اجتماعاته في بورتو أليغري. لكن يتعين علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أن المنتدى الاجتماعي العالمي كما المنتديات الاجتماعية الإقليمية والكثير من نظيراتها الوطنية هي أمكنة للقاء لا أكثر ولا أقل، وأحيانا تأخذ، بمناسبة انعقاد اجتماعات مجموعة الثماني على سبيل المثال، شكل تظاهرات جماعية، مفيدة جدا من الناحية الأخلاقية والسياسية والنفسية، لكنها ليست أمكنة لتعميق النقاش أو تطوير استراتيجيات نضالية.

بالمعنى العام للكلمة، فإن المنتديات الاجتماعية تقوم على عدم وجود الرقابة أو أية محاذير أخرى، لكن التنقل حول العالم للقاء زملاء ورفاق آخرين للتظاهر مكلف جدا. ولذلك هناك خلل جدي في مسألة التمثيل في كنف المنتديات الاجتماعية.

فالكثير من المنظمات المرتاحة اقتصاديا ليست هي ذات المصلحة الأكبر من وجهة نظر التحركات النضالية التي تقوم بها، وذلك تماما مثلما هي عليه الكثير من المنظمات غير الحكومية، التي هي، في أسوأ الحالات، طفيليات لصيقة بالحركات النضالية لكنها لا تقدم لها الشيء الكثير.

وفي المقابل، فإن المنظمات «التقليدية» الكبرى، النقابية والعمالية والفلاحية، لا تملك دائما الموارد المالية من أجل إعداد تمثيل كبير يليق بها، ومن الجانب الآخر، فإنها لا تعطي بالضرورة أولوية للمشاركة في هذا النوع من التظاهرات ويتعين علينا أن نأخذ هذا بعين الاعتبار.

- س:ما هي البدائل الأخرى المتاحة؟

- ج: في كنف المنتدى الاجتماعي العالمي وبموازاته هناك شبكات أخرى تحاول أن تكون على اتصال مع الحركات النضالية. أما منتدى البدائل العالمي، الذي أتشرف برئاسته والذي تم إنشاؤه عام 1997، فإنه يركز على معالجة فكرة «التقارب في التعددية»، أي على مناقشة الأهداف وبلورة الاستراتيجيات السياسية المشتركة.

على سبيل المثال، كيف يمكن بناء جبهة موحدة للعمل في ظل ظروف هيكلية مغايرة جدا للظروف الهيكلية لمنظمة عمالية كانت ناشطة قبل 50 عاما؟ يتطلب الأمر البحث عن أشكال تنظيميه مناسبة. فأنا لست ممن يقولون إن النقابات لم تخدم في شيء قط.

ذلك أن النقلة النوعية التي حققها المجتمع باتجاه دولة الرخاء ما كانت لتحدث من دون الأحزاب الاشتراكية ومن دون النقابات التي منحت في وقت من الأوقات الطبقة العاملة شرعية سياسية لم تحصل عليها قبل ذلك في تاريخ الرأسمالية قط، في حين أنها تخسرها اليوم، وذلك على ضوء أن أشكال التنظيم والحركة تعود للحظة تاريخية أخرى.

كما أعتقد أن هناك تقدما على صعيد الوعي الديمقراطي وذلك في سياق أنه مقابل الأشكال التنظيمية العمودية نسبيا، التي تستجيب لحقبة أخرى من تشكل التمدد الرأسمالي وهيكلية الطبقة العاملة والتي ربما كانت نافعة آنذاك، يوجد اليوم جراء ارتفاع مستوى التعليم متطلبات ديمقراطية أكبر، أعتقد أنها إيجابية، لكنها تقود إلى التعلق بأوهام أيضا، كأن يقال مثلا إن الحركة العفوية بوسعها إيجاد بدائل من تلقاء نفسها. أعتقد أن الجدلية والنظرية والتطبيق العملي لا يمكن إقصاؤها عن متطلبات مبدأ التقارب في التعددية وهذا التقارب يتطلب بدوره اعترافا ديمقراطيا حقيقيا بتعددية المصالح الاجتماعية والوطنية وبتعددية الثقافات السياسية.

إن احترام تلك التعددية لا يستثني ضرورة بناء التقارب ومنتدى البدائل العالمي تم إنشاؤه لهذا الغرض، بحيث يشمل بناء وحدة الطبقة العاملة وبناء التحالف العمالي والفلاحي. فبالنسبة ل80% من سكان العالم وبالنسبة لشعوب الجنوب، فإن سكان الريف لا يزالون يمثلون نصف مجمل السكان أو أكثر.

وإذا لم يستجب ذلك التحالف لاحتياجات البقاء والتنمية الخاصة بتلك الجماهير الفلاحية ويقدم سياسات تنموية تضمن الوصول إلى الأرض والاستخدام الفعال لها وللمياه.. فإن الطبقات الشعبية المدنية ستبقى مجزأة ومعزولة وضعيفة نسبيا أمام أعدائها من الرأسمالية العالمية ووكلائها المحليين. وهذه مشكلة مطروحة على المستوى الوطني في بلدان الجنوب وعلى المستوى العالمي على حد سواء.

مسألة أخرى هي الديمقراطية وبالنسبة لي، فإن عملية إرساء الديمقراطية في المجتمعات يجب أن تكون مترابطة مع التقدم الاجتماعي وليست منفصلة عنه كما تقترح الصيغة الغربية التي تريد بيعنا. وذلك يعني أن ربط عملية إرساء الديمقراطية بالتقدم الاجتماعي في كافة أبعاده، وليس فقط في إدارة العملية السياسية عن طريق المنظومة المزعومة للتعددية الحزبية والانتخابات، أمر أساسي.

وفي هذا الميدان أيضا هناك الكثير مما يتوجب القيام به، على غرار إلحاق الهزيمة بمشروع الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين التابعين عن طريق الناتو والسيطرة العسكرية على الكرة الأرضية، سيطرة تثبت أن الرأسمالية لا يمكن أن تسيطر على الكرة الأرضية من دون اللجوء إلى إجراءات قمعية عنيفة بما في ذلك العدوان العسكري.

- س: هل تتمتع هذه الحركات بإمكانية التدخل على المستوى العالمي؟

- ج: جميع تلك الحركات تخوض نضالا مشروعا، لكنها في غالب الأحيان تجد نفسها مقيدة بالمكان وبالبيئة السائدة. ومن الضرورة بمكان أن تعي تلك الحركات أنه يتعين عليها التواصل فيما بينها والتكامل في مشروع أو مشاريع بديلة متماسكة. وهذا يستلزم رؤية سياسية وتجاوز البيئة الخاصة التي يتم فيها النضال من أجل بديل إيجابي. فهناك على المستوى الوطني تتبلور السياسات وتحدد الخصائص الثقافية، لكن هذه العملية تعتبر ضرورية على المستوى العالمي أيضا، ذلك أن رأس المال له طابع عالمي ومن أجل مواجهته، فإننا بحاجة إلى عالمية الشعوب.

ولذلك أنا أدعو إلى أممية خامسة، خاصة وأن الحركات النضالية في الوقت الحالي تتسم بالعالمية لأنها تتطور في مجالات تغطي جميع أنحاء العالم، لكنها لم تأخذ طابعا عالميا حتى الآن لأنه ينقصها أمران: الأمر الأول هو إرادة بناء تقارب في التعددية على مستوى عالمي والانتقال من موقف الدفاع إلى موقف الهجوم، حيث الحركات في جوهرها هي حركات مقاومة ضد النيوليبرالية والإقصاء وهدم منظومة المنجزات الاجتماعية وحقوق العمل والاعتداء البوليسي والعسكري.. حيث يكمن التحدي في الانتقال من المقاومة إلى الهجوم، أي التمكن، عن طريق النضال، من بلورة بديل إيجابي.

- س: كيف تتقدم الأمور على هذا الصعيد؟

- ج: أعتقد أن عملية الانتقال من الدفاع إلى الهجوم قد بدأت. فلقد شهدت أميركا اللاتينية، خلال السنوات الأخيرة، العديد من الخطوات التقدمية على هذا الصعيد، وذلك على غرار النصر الذي حققه لولا دا سيلفا في البرازيل والتجربة التي يعيشها الشعب الفنزويلي، حيث لا يقتصر الأمر على التحولات الاجتماعية الثورية الداخلية وإنما يطال مقترحات إقليمية مثل منظمة «آلبا»، كذلك الأمر بالنسبة لما يجري في بوليفيا والتقدم الثوري التي يتم إحرازه هناك، كما أن إعادة انتخاب دانييل أورتيغا في نيكاراغوا جميعها تصب في خانة التحولات الإيجابية نفسها، فضلا عن النصر الانتخابي الذي حققه رفائيل كوريا وتبلور اليسار الراديكالي البديل في بلدان مثل المكسيك أو البيرو.

ترجمة: باسل أبو حمدة عن «ربليون»

 

المقالات تعبر عن آراء كاتبيها

المصدر: مجلة العرب والعولمة

جميع الحقوق محفوظة

 

البريد الإلكتروني