|
كتابات خاصة: د. جوزف عبدالله |
|
رحلة من حلب إلى القدس في عيد الفصح في العام 1697 (مقتطفات)
مقتطفات من رحلة هنري موندريل Henri Maundrell، المنشورة في: Henry MAUNDRELL: Voyage d’Alep à Jerusalem, à Pâques en l’année 1697, traduit de l’anglais, Autrecht, chez Guillaume van Poolsum, 1705 إعداد: د. جوزف عبدالله (ص 1) أربعة عشر شخصاً من كنيستي[1]، من مواطني، شكلوا مجموعة لزيارة الأرض المقدسة بمناسبة أعياد الفصح؛ ومع أني وصلت حديثاً إلى حلب، لم أرغب بتفويت مناسبة ملائمة لهذه الدرجة. وبما أني قد صممت سابقاً القيام بهذا الحج قبل عودتي إلى انكلترا، فقد اعتبرت أني لن أقوم بالحج بأقل إساءة ممكنة لقطيعي، ولا بأكثر الرضى نحوي، بغير هذا الزمن الذي أكون فيه برفقة قسم كبير من هذه الكنيسة. (ص 2) انطلقنا من حلب يوم الجمعة الواقع فيه 26 شباط 1696، في الثالثة من بعد الظهر، على اعتبار أننا لن نبعد كثيراً في هذا اليوم، لنرى إن كنا لدينا كل ما كان لازماً لرحلتنا. قضينا ليلتنا في خان العسل Kan de Miel على مسافة فرسخ ونصف غربي حلب، وذلك بقليل من الراحة. لا يتوفر في هذا البلد للمسافر، كما في انكلترا، بلدات وحانات ليبيت فيها ليلاً. وافضل مأوى يمكننا العثور عليه فيه هو في ظل خيمتك، عنما يسمح الطقس، أو في بعض الأبنية العامة المبنية للبر لاستعمال المسافرين. يسمي الأتراك هذه الأبنية خانات. ونجدها في المدن والبلدات وعلى الطرقات الأساسية موزعة على مسافات ملائمة. هذه الخانات مبنية على شكل رواق حول فناء مربع من ثمانين أو ستين قدماً، تبعاً لقدرة أو لكرم مؤسسه. ومن المسموح لجميع المارة اللجوء إليه، مقابل القليل الذي يُعطى لمن يسهر على إدارته، وفي الكثير من الحالات قد لا يدفع شيئاً. ولكن غالباً ما لا نجد فيه غير حيطانه الأربعة، بحيث يتوجب على المسافر أن يحضر معه الطعام والشراب والسرير والنار والغطاء. السبت 27 شباط: انطلقنا باكراً باتجاه الغرب لنصل بعد ساعة ونصف إلى أو-ريم Oo-rem،... (ص 26) السبت 6 آذار: بعد أن اكتفينا من ملاحظة جبلة Jebilée تركناها في الصباح الباكر على أمل أن يكون الطقس أفضل (ص 27) مما كان عليه سابقاً. تبعنا شاطئ البحر فوصلنا في مدى ساعتين إلى ضفة نهر عميق يسميه الأتراك نهر الملك Nahr-il-Melech. رأينا على جانبيه أكوام الآثار وغيرها من دواثر الأبنية الضخمة. على مسافة نصف فرسخ اجتزنا نهراً آخر باسم جوبر Jobar، شاهدنا عليه بقايا جسر من الحجر كان حسن البناء سابقاً. ونرى على الجانب الآخر من النهر في الأرض المزروعة برجاً كبيراً مربعاً تخيطه دواثر الكثير من الأبنية. كما رأينا أيضاً خلال كل يومنا الكثير من دواثر القلاع والمنازل التي تشي بأن هذا البلد المهمل اليوم كان في مضى بأيدي شعب عرف قيمته فاهتم بتحصينه. يسمي سترابون كل المنطقة بين جبلة وأرواد بلد الأرواديين الذين سنتحدث عنهم في حينه. ويسمي أيضاً كثرة من المواضع التي كانت قديماً على طول هذا الشاطئ: بالتوس Paltus، بالانيا Balanea، كارانوس Caranus، إنيدرا Enydra، ماراتوس Marathus، كسيميرا Xymira... (ص 28) يُظن أن بالانيا سترابون ما تزال قائمة في نفس الموضع الذي يسميه الأتراك بانياس Baneas، إذ لم يفعلوا غير تصحيف اسمها قليلاً... (ص 31) عملنا في طرطوس على أن تتقدمنا امتعتنا نحو طرابلس بحيث نتمكن من بلوغها صباح الغد. ثم تبعناها بعد قليل، فبلغنا بعد ربع ساعة ضفة نهر جاف تقريباً، مع أنه يبدو، بحكم عرض مجراه، نهراً كبيراً، كما يبدو من بعض الاثار أنه كان عليه جسر من الحجر لعبوره. بعد مسافة نصف فرسخ وجدنا أنفسنا قبالة جزيرة صغيرة تبعد فرسخاً عن اليابسة. يسميها الأتراك رواد Ru-ad، ونفترض أنها أرفاد Arvad القديمة، أو Arphad، أو Arpad؛ أسماء مختلفة لنفس الموضع الذي نجده في سفر الملوك 19: 13، والتكوين (ص 32) 10: 18، وحزقيال 27: 11؛ وأرادوس Aradus اليونان والرومان... (ص 39) بعد أن تركنا هذه الآثار (على الساحل قبالة جزيرة أرواد) دخلنا في سهل فسيح وعريض للغاية يقع بين البحر والجبال. ويمتد طولاً حتى يبلغ طرابلس. يسميه أهل البلاد جونيه Junia، أي السهل بامتياز وذلك بحكم اتساعه. استلزمنا اجتيازه سبع ساعات. (ص 40) وجدنا هذا السهل بالغ الخصوبة، لكثرة ما فيه من الجداول والمياه التي ترويه. أول هذه الأنهار على مسافة ستة فراسخ قبل طرابلس. وعليه جسر من الحجر مبني بثلاث قناطر. وهو أكبر الأنهار التي تروي السهل ما اسبغ عليه اسم النهر الكبير Nahor il kibber. على مسافة نصف فرسخ منه، ثمة نهر آخر اسمه نهر الأبرص Nahor Abrosh نسبة إلى البرص. بعد ثلاثة أرباع الفرسخ منه، هناك نهر ثالث باسم نهر عكار Nahor Acchar، عليه جسر حسن بقنطرة واحدة من الحجارة. وعلى بعد فرسخين منه ثمة نهر رابع اسمه ... حيث المياه باردة، وعليه أيضاً جسر بقنطرتين. ومن هذا النهر إلى طرابلس المسافة فرسخين كاملين. توقفت لأصف كل هذه الأنهار بغية إلقاء بعض الضوء على ذلك الاختلاف بين الجغرافيين حول موضع نهر إلوتيروس la Rivière Eleutherus. يجمع الجغرافيون المحدثون على إطلاق هذا الاسم على نهر يقع بين صور وصيدا، الذي يطلق عليه الأتراك اسم قاسميير Casimeer (القاسمية). ولكن هذا يتعارض مع إجماع شهادة (ص 41) القدماء الذين يضعون هذا النهر في موضع أبعد إلى الشمال. استرابون Strabon جعله في موضع ما بين أرطوسية Ortosia وطرابلس، كحد يفصل بين سورية Sirie وفينيقيا. أما بلين Pline فيضعه بالقرب من أرطوسية، ويجعله ينتهي في البحر مقابل أرواد Aradus، Hist. Nat., Liv.5, C. 20. وواضع سفر المكابيين-1 Maccabées I, Macc. 12. 25. 30 فيجعله في بلاد حماة، ما يعني أنه بالتأكيد خارج حدود إسرائيل، كما يبدو استناداً إلى نفس المؤلف. يتفق معه جوزيف Joseph بوضع إلوتيروس شمالي صيدا، كما يبدو من الكتاب 14 من مؤلفه Antiq. Jud., Chap. 7. 8، حيث يقول في معرض كلامه على هبة مارك أنطوان Marc Anthoine إلى كليوبترا Cleopatre: أن هذا العاشق السخي أعطاها جميع المدن الواقعة بين إلوتيروس ومصر، باستثناء صور وصيدا. وبطليموس Ptelomée، على حد زعم تيرانيوس Terranius، فيجعله أبعد إلى الشمال، بين أرطوسية وبلانية Balania. يثبت كل ذلك بوضوح أن النهر الذي يزعم المحدثون أنه نهر إلوتيروس، ليس هو ذاته أبداً. بل يبدو لي أن الظواهر تدفع أكثر إلى الاعتقاد بأن إلوتيروس هو اسم أحد أنهار جونية. أو إذا أخذنا بقول بلين، هو النهر الجاف اليوم الذي ذكرته (ص 42) سابقاً وهو قبل طرطوس بقليل، حيث يكون مصبه مقابل أرواد تقريباً. لن أكون حاسماً في هذا الصدد، بل أكتفي بما رويته عن هذه النهار، بمناسبة اجتيازنا لها. الأربعاء، 9 آذار: باقترابنا من طرابلس تردد المكارية عن المتابعة خشية مصادرة بغالهم لصالح الأعمال العامة، كما حصل لاحقاً مع أسفنا الشديد على الرغم من كل حرصهم. تركناهم في سهل جونية، وتابعنا السير حتى طرابلس التي وصلنا إليها مع المغيب. لقد سرنا 10 ساعات هذا اليوم. أمضينا ثمانية أيام لنرتاح في طرابلس حيث استضافنا بسخاء السيد فرانسوا هاستينغز François Hastings قنصلنا، والسيد جان فيشر Jean Fisher، تاجر ويمثل البيت الإنكليزي الوحيد في طرابلس... (ص 238) الأحد 9 أيار: رغبت بذل الجهد لرؤية الأرز وقنوبين، خشية بأن تفوتني فرصة قد لا تعوض أبداً. بعد مسير ثلاث ساعات في اجتياز سهل طرابلس بلغت سفح لبنان. فصعدت فيه مدة أربع ساعات ونصف الساعة، بصعوبة بالغة، فوصلت إلى قرية باسم أهدن Eden، بعد ساعتين ونصف منها وصلت إلى الأرز. كانت هذه الأشجار الرائعة وسط الثلج (ص 139)، على مقربة من قمة لبنان. يا لها من أشجار عظيمة بعمرها وضخامتها، كما بالتمليحات الكثيرة إليها من خلال كلام الله. منها الشجر المغرق في قدمه وبضخامته الخارقة، ومنها ما هو أصغر عمراً وضخامة. أحصيت من الصنف الأول ست عشرة شجرة، أما الباقيات فهي بأعداد كبيرة. أخذت قياس واحدة من الأشجار الضخمة فبلغ قطرها 36 قدمأ وست بوصات، وهي ما تزال سليمة البنية. أما امتداد أغصانها فكان بطول 111 قدماً. وعلى ارتفاع من 15 إلى 18 قدماً يتفرع جذعها إلى خمسة فروع كل منها يساوي شجرة كبيرة... (ص 241)الأبعاء في 11 أيار: استأذنا أصدقاءنا الطيبين في طرابلس (ص 242) لنعود غلى حلب. لم نكن نعرف ما إذا كان علينا العودة على الطريق التي سلكناها في المجيء، أو ما إذا سنتخذ طريق العودة عبر حمص Emissa Hempse وحماة. ولما علمنا أن الطريق الأخيرة معرضة للمخاطر بسبب بعض القلاقل في تلك الأنحاء، قررنا العودة على أعقابنا من حيث أتينا. هذا فضلاً عن أننا كنا قد شفينا غليلنا وأخذ منا عناء السفر مأخذه، حتى بتنا راغبين بالعودة بأسرع ما يمكن. وهكذا عدنا للمرور في جميع الأماكن التي مررنا بها سابقاً دون أن نلحظ أي تغيير يُذكر، فوصلنا بثمانية أيام إلى خان العسل.
|