العالم ليس سلعة

العرب ليسوا للبيع

الأولى الأرشيف المشاركة الإشتراك من نحن؟ تيار العروبة

 

تيار العروبة للمقاومة والعدالة الاجتماعية

اللقاء التأسيسي

(4-12-2005)

الوثائق التأسيسية:

- ورقة أولية لتحديد طبيعة المرحلة وآلياتها واحتمالاتها

- مشروع البرنامج المرحلي للخلاص الوطني

- مشروع ورقة تنظيمية

- البيان الختامي

 

 

 

ورقة أولية لتحديد طبيعة المرحلة وآلياتها واحتمالاتها

العناصر والقوى المؤسسة، وسيناريوهات المستقبل
لبنان في مهب العاصفة


 

I- النظام العالمي، وتوازناته في مرحلة انتقالية    

   أولاً: عوامل انهيار مشروع الإمبراطورية الأميركية

   ثانياً: العرب، والمسلمون، وحركات الشعوب التحررية في أساس انكسار مشروع الإمبراطورية الأمريكية

II- المشروع الأمريكي الفرنسي الإسرائيلي، يستهدف لبنان كمنصة لاستهداف سورية وإيران وفلسطين

   أولاً -  عناصر المشروع

   ثانياً-  الأسباب والعناصر التي ساعدت على تحقيق موطئ قدم للمشروع الغربي في لبنان

III- التوازنات والأزمات البنيوية تعطب المشروع الأمريكي الفرنسي الإسرائيلي

   أولاً: حسابات الحقل الدولي ونتائج البيدر اللبناني

   ثانياً: نتائج البيدر اللبناني

IV- قضايا صراعية في المجتمع اللبناني كأولويات يجب مقاربتها

   أولاً: بعد استقرار التوازنات والتحالفات الانتخابية، وتشكيل الحكومة اللبنانية، ستدخل البلاد مرحلة موسومة بالصراع   والتباين حول قضايا تطرح نفسها بإلحاح ولا يمكن تجاهلها بأي حال، منها:

   ثانياً: مهمات راهنة لا بد من معالجتها واتخاذ موقف منها

   ثالثاً: في آليات العمل الواجبة

 

I- النظام العالمي، وتوازناته في مرحلة انتقالية

   

  أولاً: عوامل انهيار مشروع الإمبراطورية الأميركية

بعد عدة أيام على حرب الخليج الثانية أعلن بوش الأب للمرة الأولى ولادة النظام العالمي الجديد، في 5 آذار 1991 قائلاً: "كانت حرب الخليج المحك الأول لعالم بدأت معالمه بالبروز وفيه الأمل الحقيقي لنظام دولي جديد". وفي 24 كانون الثاني 1992 حدد بوش الأب، في الخطاب السنوي أمام الكونغرس، المفهوم الأميركي للنظام الدولي الجديد: "تقف الولايات المتحدة على أبواب القرن الحادي والعشرين، ولا بد أن يكون هذا القرن أميركياً".

 

كان بوش الأب يبشر العالم بمشروع نشوء الإمبراطورية الأميركية لتكوين نظام عالمي قائم على أحادية الهيمنة الأميركية على العالم أجمع. وهذا ما أكده بريجنسكي عندما وصف كتابه "رقعة الشطرنج الكبرى" (1997) بأنه خير معبر عن السياسة الخارجية الأميركية، قائلاً (عن كتابه): إنه "وصف لظاهرة واحدة: الهيمنة الأميركية على الكرة الأرضية" (مقابلة مع المجلة الفرنسية "ليفينيمان دو جودي" L’Evenement de jeudi 8-14/1/1998).

لقد شرعت الولايات المتحدة، منذ سقوط جدار برلين 1989 وانهيار الاتحاد السوفييتي 1991، ببناء هيمنتها الأحادية عبر سياسات التدخل العسكري المباشر، منفردة أو بجر الآخرين معها، عبر مؤسسات الأمم المتحدة أو بدونها ورغماً عنها أحياناً. وتظهر دراسة أعدها الكونغرس الأميركي أن القوات العسكرية الأميركية قامت بعمليات تدخل خارج الأراضي الأميركية في فترة 1990-1999 (في عهد كلينتون أساساً) أكثر مما فعلته في فترة 1945-1990. بلغ تصاعد الأحادية الأميركية مع مجريات الأمور في البلقان وبقية بلدان المعسكر الاشتراكي في أوروبا الشرقية وصولاً إلى غزو أفغانستان ومن بعدها العراق، استناداً لمنطق "الحرب الإستباقية" أو "الوقائية" و"الحرب المستمرة على الإرهاب".

 

ننطلق في ورقتنا هذه من فرضية تزعم أن النظام العالمي الجديد (مشروع الإمبراطورية الأميركية، أو الهيمنة الأميركية الأحادية على العالم) الذي بشر به بوش الأب وسعى إلى استكماله بوش الابن قد تعرض إلى إعطاب فعلي مباشرة غداة سقوط النظام العراقي أمام الغزو الأميركي. إننا نعتبر بداية الغزو الأميركي للعراق ذروة الأحادية الأميركية، كما نرى في رد المقاومة التي خاضها الشعب العراقي والمتطوعون العرب والمسلمون بداية الانحدار المستمر من هذه الذروة. لقد بات النظام العالمي الأحادي (القرن الحادي والعشرون قرن أميركي)، بتقديرنا، مثلوماً وهو يترنح. ومعه عجز التوافق الأوروبي الأمريكي عن إقامة نظام عالمي ثنائي، توافقي وتنافسي معاً. ونرى الملامح الجدية لنشوء نظام عالمي متعدد الأقطاب. وذلك بفعل جملة معطيات وظاهرات في جدل العلاقة العالمية مع الولايات المتحدة، نوجزها على الشكل الآتي.

1- على الصعيد الاقتصادي

عجزت الإدارة الأمريكية عن الظفر بالحرب الاقتصادية "للسيطرة على الاقتصاد العالمي" وفشلت في تحقيق أهدافها وضعفت وسائلها. والاقتصاد الأميركي يعاني من تنامي العجز في الميزان التجاري, والحساب الجاري, وارتفاع معدلات المديونية العامة والخاصة كنسبة من الناتج المحلي القائم وتراجع القدرة التنافسية للاقتصاد... وبدل أن يصبح البترول أداة أميركية للتحكم باقتصاديات العالم وسياسات الدول الصناعية، صار عاملاً مضاعفاً في أزمة الولايات المتحدة الاقتصادية نظراً لارتفاعات سعره الشاهقة، وشكل بحد ذاته أزمة مفتوحة على مستقبل غير معروف.هذا فيما يشكل الاتحاد الأوروبي بعد توسيعه ومأسسته قوة اقتصادية منافسة صاعدة. كما تتشكل الصين والهند وروسية (التجمع الاقتصادي الآسيوي، منظمة شنغهاي) كقوة اقتصادية دولية عملاقة، تتجاوز بقدراتها وإمكاناتها ونموها المطرد، كقوة موازية، الدور الاقتصادي الأمريكي والأوروبي معا. وذلك في حين تنهض أمريكا اللاتينية والجنوبية والكاريبي كقوى إقليمية منسجمة ومتفقة على رفض الإملاءات والتحرر من الهيمنة السياسية والاقتصادية والأمنية الأمريكية، وتسعى لقيادة تحالفات جنوب جنوب بوجه الخضوع لعلاقات الشمال الجنوب. وتتقاطر أدلة تشهد على تراجع قدرات ودور أمريكا في فرض مشيئتها على منظمة التجارة العالمية والمؤسسات العالمية الأخرى.

2- على صعيد "الحرب على الإرهاب"

خسرت الإدارة الأمريكية حربها العالمية على الإرهاب، وقطعت الوثائق والدراسات وتقارير أجهزة الاستخبارات الأمريكية والعالمية وواقع الحال بالفشل الذريع وبتفكك التحالف الدولي ومؤسساته، وانهيار مرتكزات الاستراتيجيات الأمريكية على هذا الصعيد مع تنامي القوى المقاومة للوجود والمصالح الأمريكية الأوروبية في مختلف قارات الكرة الأرضية، وقد ازدادت مناسيب العمليات العسكرية التي استهدفت أمريكا وحلفائها خمسة أضعاف ما كانت عليه عشية أحداث 11 أيلول بل ازدادت مناسيب العداء للأمريكي وسياساته ومغامرات الإدارة على مستويات الرأي العام العالمي.

3- على صعيد القارة الأميركية

خسرت الولايات المتحدة الحرب على أمريكا اللاتينية والجنوبية، وانهارت خطتها لمحاصرة كوبا وإسقاطها، أو إسقاط شافيز ومنع التحولات الديمقراطية الاجتماعية والاقتصادية الجارية في فنزويلا. ونجحت قوى اليسار والحركة التحررية في السيطرة على غالبية بلدان القارة والاندفاع إلى إقامة حلف إقليمي متعارض مع النموذج الأمريكي ومنتفض عليه، بما في ذلك الدعوة للتخلي عن أي من أشكال التعاون بين الشمال والجنوب، تحت شعار جنوب مع جنوب.  وبخسارة الولايات المتحدة لهذه القارة (حديقتها الخلفية) تكون قد خسرت أهم منطقة من مناطق السيطرة والهيمنة الإمبريالية...، وخسرت عمقا سياسيا واقتصاديا واستثماريا كبير الأهمية والأثر على مستقبل الاقتصاد الأمريكي وقدراته.

4- على صعيد المأزق الأميركي في العراق

أسقطت الولايات المتحدة بغزو العراق النظام العراقي. ولكن هذا الغزو لم يأتِ حتى الآن بما كانت تشتهي سفن الإدارة الأميركية. لقد تحولت المنطقة في العراق وأسيا الوسطى إلى بؤرة استنزاف حادة تسقط القوة والعنجهية الأميركية، وتستفز شعوب المنطقة وقواها الحية للتحرر من الهيمنة والتبعية. فيما تتصاعد الدعوات لجدولة الانسحاب الأميركي من العراق وأفغانستان، ومن القواعد العسكرية الأميركية في دول آسيا الوسطى (البيان الروسي الصيني المشترك، منظمة شنغهاي، أوزبكستان).

5- على صعيد مشروع إعادة هيكلة المنطقة وفشل تعويم المشروع الصهيوني

فشلت الولايات المتحدة في سعيها لإعادة هيكلة المنطقة العربية والإسلامية، وانهارت جهودها وتوافقاتها مع الاتحاد الأوروبي على إعادة هيكلة المنطقة عبر مقولة الإصلاح والشراكة (الانتقال من "مبادرة الشرق الأوسط الكبير" الأميركية، إلى مشروع "الشراكة من أجل المستقبل" الأميركية الأوروبية وصولاً إلى "منتدى المستقبل" كإطار للتشاور فقط). كما فشل تعويم المشروع الصهيوني بإسقاط الانتفاضة الفلسطينية ودفع الفلسطينيين إلى الاحتراب الأهلي، عبر خطة تطويع أو إسقاط سورية وتطويع أو إسقاط إيران، وجاءت التطورات في كل من إيران وسورية وفلسطين، وتالياً فـي لبنان، لتؤكد سقوط المشروعات الأمريكية والأمريكية الأوروبية الصهيونية.

6- سقوط الهيبة العسكرية والأمنية الأميركية

خسرت الولايات المتحدة هيبتها وقدراتها العسكرية برغم هول حجم الأنفاق المالي والقدرات التقنية غير المسبوقة في التاريخ الإنساني، وانهارت نظريات واستراتيجيات الضربات الإستباقية، وإستراتيجية خوض حربين في آن، وعادت قيادة البنتاغون والكونغرس تلزم الإدارة باعتماد استراتيجيات جديدة قديمة والمطالبة بالانكفاء لحماية الأمن الداخلي، بعد العجز عن تحقيق أهداف غزو أفغانستان والعراق والحرب على الإرهاب، وتطويق عمالقة آسيا الصاعدة بالقواعد والقوات العسكرية وبدول تحكمها نخب حليفة لواشنطن. كما خسرت الإدارة الأميركية الحرب الأمنية، وأقرت دور الخبرة ومؤسسات الدراسات بقدرات القوى التي تعارض الولايات المتحدة وتواجهها بالقوة العسكرية أو بالثبات والصمود. فنجحت كوريا بامتلاك القنبلة النووية ولجمت أي عدوان، وعلى طريقها تتقدم إيران بخطى ثابتة وتصميم على امتلاك التكنولوجيا النووية بعد أن امتلكت تكنولوجيا الفضاء والتصنيع العسكري، وجددت في ثورتها الإسلامية ولغتها الراديكالية.

7- تراجع السيطرة على المؤسسات الأممية

تراجعت قدرات الإدارة الأميركية في السيطرة على بعض المؤسسات الأممية، وباتت غير مطلقة الحرية من أن تفرض عليها مشيئتها ورؤيتها. بل تحول مجلس الأمن إلى نادٍ للتصارع فيه قوى تتحفز لتكون قطبية على المستوى العالمي. ونجحت فلسطين بانتزاع قرار من محكمة لاهاي ضد الجدار، وقرار إجماعي من الأمم المتحدة، بينما تتسع المطالبة العالمية باستقلال المؤسسات الدولية، وبإلزام الولايات المتحدة بالرضوخ للإرادة العالمية في مسألة الاحتباس الحراري (معاهدة كيوتو)، ومحكمة الجزاء الدولية، والمعاهدات والمؤسسات ذات الصلة.

8- الفشل في "كسب العقول" من أجل "ربح السلام" المزعوم

خسرت الولايات المتحدة الحرب الإعلامية والنفسية والثقافية والأخلاقية. لقد فشلت فشلاً ذريعاً في الحرب لكسب القلوب والعقول، في حين يشهد الرأي العام العالمي غليانا وتصاعدا في رفض النموذج الأميركي للحياة ورفض العدوانية والتسلط، ورفض الديمقراطية وحقوق الإنسان، على طريقة "أبو غريب" و"غوانتنامو"، واغتيال الصحفيين بعد تقييد حرية الصحافة والحريات الإعلامية والشخصية.

خلال فترة الإدارة الأمريكية الحالية التي لم تزد عن خمس سنوات، تحققت خسائر جمة، طاولت المشروع الإمبراطوري برمته وبمختلف عناصره وأدواته، فاهتزت عناصر قوة الولايات المتحدة ونقاط ارتكازها، وأدوات تحكمها، ما يحفز على القول أن الإمبراطورية الأمريكية دخلت مرحلة الأفول، تأكيدا لنبوءة إيمانويل طود في كتابه ما بعد الإمبراطورية، وإيمانويل فاليرشتاين، وسواهما من الكتاب والدارسين الذين اجمعوا على أن أمريكا أمة ودولة لا تستطيع خدمة طموحات إمبراطورية في عالم الألفية الثالثة حيث قيمة الإنسان أثمن رأسمال وتطور مستوى الوعي الإنساني وتقدم وسائل الاتصال والمعرفة بصورة انفجارية جعلت من أي نهج إمبراطوري عدواني سافر ضرب من جنون.

 

ثانياً: العرب، والمسلمون، وحركات الشعوب التحررية في أساس انكسار مشروع الإمبراطورية الأمريكية

1- إن انكسار الهجمة الإمبراطورية الأمريكية التي استهدفت إعادة هيكلة العالم، لتأبيد التفوق الأمريكي لقرن قادم، ما كان ليكون إلا بفعل فاعل، وبجهد منظم، وبالكثير من الدماء، وقوة الإرادة والتصميم على المواجهة، والممانعة، هذه التي تجسدت في المنطقة العربية بشكل أساسي، وفي مشرقها بصورة مكثفة، الأمر الذي وفر الأسباب والعناصر الموضوعية لتسريع ولادة الظاهرات والتطورات التي كانت كامنة وتعتمل تحت السطح في مختلف قارات الكرة الأرضية وفي إرادة شعوب العالم، وقواه ودوله.

2- إن خسارة الولايات المتحدة للحرب على الإرهاب تمت على يد قوى عربية، وفي بيئة عربية إسلامية لكون الإدارة الأمريكية أرفقت الحرب على الإرهاب بالحرب على الأمة العربية والإسلام، وعلى المقاومات العربية حصرا، وركزت جهدها وقوتها الجبارة فوق الأرض العربية والإسلامية من منطلق القول بأن السيطرة على المنطقة العربية والإسلامية وإعادة هيكلتها يشكل العنصر الحاسم في إعادة هيكلة العالم وتوازناته.

3- إن خسارة الحرب الاقتصادية والسيطرة على الجغرافيا الحاكمة عالميا (أوراسيا)، وانكسار هيبة القوة العسكرية الأمريكية واستنزافها واستنهاض رأي عالمي كاسح ضد الحرب والعدوانية، وتشكيل هيئات التضامن الدولية وتطوير حركة مقاومة العولمة الرأسمالية المتوحشة والدعوة إلى عولمة إنسانية بديلة تتحول إلى قوة شعبية دولية وازنة ومقررة في بلدانها وإداراتها ما كانت لتتحقق لولا المقاومة العربية وإبداعاتها وثمراتها الطيبة في لبنان وفلسطين والعراق، وقاعدتها الثابتة سورية وإيران المنيعتين والقادرتين على تجديد نظامهما وثوابتهما وتصليب بنيتهما. 

4- عبثا يحاول دعاة الإحباط والأمركة والأوربة العرب، من النظم والنخب، ترويج القيم والمشروعات الغربية، التي باتت مواجهتها محكومة بالسلاح وتقودها قوى المقاومة التي تبلي بلاء حسنا وتستنهض روح الأمة وقواها الحية، وتحفزها على التمرد ورفض الخنوع والتسليم بمنطق النظم الموالية للغرب، والقابلة بالإملاءات، والساعية إلى التآمر على شعوب المنطقة لتمرير مشروعات إسقاطها. وعليه تبدو اللوحة العربية لوحتين، لوحة النظم المنهارة والمستسلمة، ولوحة الشعوب المتصاعدة تحركاتها الرافضة للغزوة الإمبريالية وللنظم، الأمر الذي ادخل المنطقة برمتها في حقبة من التحولات والتغييرات والأزمات، في مؤشرات قوية على نفاذ المرحلة الماضية ودنو مرحلة مخاض ستنتج تغييرات حاسمة في البنى القائمة. وفي الوقت عينه يهتز استقرار دول، وتنهار قبضة نظم راسخة كاليمن والسعودية ومصر والكويت وموريتانيا، برغم حجم الدعم الأمريكي والدولي لها، وتتحسس النخب الحاكمة رقابها بعد تصاعد نذر الهزيمة الأمريكية البريطانية في العراق وأفغانستان، وتصاعد المطالبة بجدولة الانسحاب.

5- على وقع تلك التحولات، وفي إشارات واضحة إلى مستقبل أدوار ومواقع القوى الإقليمية ودورها، تشير الوقائع إلى عودة سورية لاعبا نشطا وبيئة حاضنة لقوى التغيير وفصائل المقاومة الفلسطينية، بعد فشل وتراجع الدور المصري والأردني والدولي والعجز عن إجهاض الانتفاضة وسحب سلاحها. هذا في الوقت الذي تلوح في الأفق القريب نذر انتفاضة فلسطينية ثالثة بعد الانسحاب الهزيمة الإسرائيلية من غزة وبعض الضفة، واستمرار المقاومة اللبنانية على سلاحها في حالة هجومية. كما تشير الوقائع الحاسمة إلى أن إيران وسورية تتشكلان كبيئة وقوة إقليمية وازنة متوافقة على هزيمة الهجوم الإمبريالي بما في ذلك لجم الاندفاعة الكردية، وسعيها بدفع من الولايات المتحدة وإسرائيل للعب دور خطير في تفتيت وتقسيم المنطقة ودولها ودفعها لاحترابات طائفية ومذهبية عبر بوابات العراق ولبنان. ويساهم في هذا الدور التوافقات السورية والسورية الإيرانية مع تركيا الثابتة على خطاها في رفض الإملاءات الأمريكية الإسرائيلية.

6- تفيد الخلاصات الأولية بدنو مرحلة تاريخية تأسيسية جديدة تتحفز للانعتاق من المراحل التاريخية السابقة السلبية ومثالبها، تنجز المرحلة الانتقالية بسرعة وبنتائج ملموسة مؤسسة لنهوض عربي وإسلامي متعدد الأوجه ومفتوح على آفاق واسعة، قاعدته الراهنة في مشروع المقاومة والثبات المتقن والمتحول إلى عنصر حاكم في تقرير مسارات التطورات في المنطقة وعلى الصعد العالمية، ومؤشراته تداعي وانكسار الهجمة الامبريالية بتجلياتها وأدواتها المختلفة، وخسارة أمريكا لحروبها وسقوط استراتيجياتها ووسائلها وأدواتها السياسية والدبلوماسية والإعلامية والعسكرية، وما يفتحه ذلك من تغييرات في بنية النظم والمجتمعات العربية والإسلامية.

 

II- المشروع الأمريكي الفرنسي الإسرائيلي، يستهدف لبنان كمنصة لاستهداف سورية وإيران وفلسطين

 

أولاً -  عناصر المشروع

1- تركز الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الفرنسي الأوروبي على الساحة اللبنانية بشكل عاصف خلال الشهور الماضية، مستقوياً بظروف وأدوات محلية، ومستثمرا أخطاء قاتلة لسورية وللقوى الوطنية، وأزمات بنيوية اجتماعية ودستورية ووطنية واقتصادية، متفجرة، في ظل عجز مطبق من قوى الطبقة السياسية والإدارة السورية للملف، وغياب للشارع وقواه الوطنية والاجتماعية الإصلاحية والتغييرية.

2- استهدف الهجوم لبنان بتركيز حاد وبضغوط لا سابق لها، في سياق مشروع تم التوافق عليه بين الاتحاد الأوروبي، بطليعته فرنسا ألمانيا، والإدارة الأمريكية والصهيونية، فتشكلت قوة عاتية، مفاجئة، إذ لم يسبق أن توافق الأوروبيون والأمريكيون على إدارة المنطقة بصورة مشتركة واستهدافها من بوابة استهداف لبنان كمنصة لاستهداف سورية وفلسطين والمقاومة العراقية، واستهداف التحالف السوري الإيراني ودوره الإقليمي الوازن والثابت في صياغة التحولات والتطورات القائمة والجارية، في ظل شلل وغياب وانعطاف نظم عربية (مصر، السعودية التي كانت تسمى مع سورية دول الثقل الأمني القومي) وتوافقها ارتهاباً أو تطابقا مع التحالف الدولي الجديد.

3- نجح التحالف الدولي والعربي، بدفع مركز من الإسرائيلي، فـي ترقيد المواجهة فـي فلسطين، وإرباك إيران، وإشغال سورية واستفرادها، فانتزع قرار 1559، واستثمر بقوة غير معهودة الشارع والثورة الإعلامية، واغتيال رفيق الحريري، فاستصدر قرار 1595 ووضع لبنان عمليا تحت الوصاية الدولية عبر القرارات الدولية، والدور المباشر للرئيسين الفرنسي والأمريكي، وللسفيرين والمبعوث الدولي، وتفاهمات الرباعية برعاية إيرانية سعودية فرنسية أمريكية فتحقق له:

أ- فرض الانسحاب السوري، الدرامي والانهياري من لبنان، وبذل محاولات ما زالت جارية لتصفية العلاقات السورية اللبنانية باستبدالها بحالة عدائية، لتبرير نقل لبنان إلى ضفة ثانية.

ب- إسقاط حكومة كرامي، وانهيار تحالف عين التينة، وإقالة قادة الأجهزة الأمنية، وعودة عون من منفاه وتحريك ملف إطلاق جعجع ومعتقلي الضنية ومجدل عنجر.

ج- فرض حكومة ميقاتي، وإطلاق اليد لتيار الحريري في إعادة هيكلة لأجهزة الأمنية ووزارة الداخلية والقضاء، والسيطرة على الإعلام والعبث بالوحدة الوطنية، وإعادة تظهير التكتلات والتعبئة الطائفية والمذهبية، على نحو خطير أدى إلى إعادة تعويم الطوائف وزعاماتها ومركزتها.

د- فرض أجندة الانتخابات، موعدا وقانونا ومراقبة دولية، فمسارات ونتائج، والإتيان بمجلس نيابي بأكثريته موال، منقوص الشرعية الشعبية والوطنية، ومتعارض مع الأكثرية الشعبية اللبنانية وخياراتها الوطنية والقومية والاجتماعية.


ثانياً-  الأسباب والعناصر التي ساعدت على تحقيق موطئ قدم للمشروع الغربي في لبنان

1- الأخطاء القاتلة الإستراتيجية والتكتيكية والممارسات الخاطئة التي ارتكبها الوجود السوري الطويل والثقيل في لبنان، لجهة اتس